الحدث والتأويل: بين الداخل والخارج

الاثنين 2015/03/30

دعنا نعترف أولا بأنّ هناك مشكلة في التعامل مع الأحداث، لا سيما في هذا “الشّرق الأوسط الكبير”، والذي لا نعرف ماذا يتوسط بالضبط أو على وجه التحديد، وحيث تختلط الحقائق بالمقدّسات، والمعرفة بتصفية الحسابات، والتاريخ بالخرافات.

تتعلق المشكلة بالأهمية التي يجب أن نمنحها للعوامل الداخلية مقارنة بالعوامل الخارجية. المسألة معقدة بعض الشيء. لكن، في كل الأحوال، هناك شيءٌ سبق أن تعلمناه من الأدبيات الماركسية إبّان “سنواتها السمان”، وأظنّه، بصرف النظر عن مآلات الماركسية اليوم، لا يزال ساري المفعول: تنقسم الأسباب إلى نوعين، نوع يندرج ضمن العوامل الداخلية، ونوع ثان يندرج ضمن العوالم الخارجية. وفي هذا الإطار تُمنح الأولوية للعوامل الدّاخلية، والتي يُصطلح عليها باسم العوامل الأساسية أو الحاسمة.

شيء آخر تعلمناه: العوامل الخارجية لها دور ثانويّ، لكنه دور لا يمكن إغفاله. والسؤال دوما، كيف نحقق التوازن المطلوب في الرّؤية والتّحليل بين أولوية العوامل الدّاخلية وعدم استبعاد دور العوامل الخارجية؟ هل نقطة التوازن هي نقطة الوسط؟ هيهات فإن هندسة الواقع أشدّ تعقيدا، ونقطة التوازن لا تكون دائما في الوسط.

مشكلة أخرى، استحضار العوامل الخارجية وإن كان يمثل رهانا معرفيا وضرورة علمية، إلاّ أنه قد يخفي في نفس الآن فخا أخلاقيا كبيرا، حين تصبح العوامل الخارجية فرصة للتنصل من مسؤولية الذّات ومحاسبة النفس فيما آلت إليه الأحوال. لكن، في المقابل علينا أن نعترف بهذا: إنّ استبعاد العوامل الخارجية قد يجعل معطيات التحليل ناقصة. نحن أمام مشكلة، تتعلق بتحديد نقطة التوازن بين العوامل الأساسية (الداخلية) والعوامل الثانوية (الخارجية).

هناك عوائق كثيرة تعيق إمكانية تحقيق التوازن الذي يحفظ أولوية العوامل الداخلية دون استبعاد للعوامل الخارجية، وعلى رأسها أننا بقدر ما ندين الآخر ونتهمه فإننا نضخم دوره (أوروبا، أميركا، إسرائيل، تركيا، إيران…)، وهذا بسبب آثار الظاهرة الاستعمارية، لدرجة أن الكثيرين يتوهمون بأنّ الغرب يفعل بنا ما يشاء، متى يشاء، وكيفما يشاء. وهذا سوء تقدير ناجم عن استيهامات المرحلة الاستعمارية. وفي الأساس، لا يوجد استعمار إلا حين توجد القابلية الذاتية للاستعمار. ولا يوجد تقسيم إلا حين توجد القابلية الذاتية للتقسيم، وأيضا لا يوجد تطرف إلا حين توجد القابلية الذاتية للتطرف. الأصل هو القابلية الذاتية أولا. حين يعاني جسم الإنسان من نقص في المناعة الداخلية فإن أي فيروس خارجي سينال منه حتى ولو لم يتقصده، حتى ولو تجرعه بنحو عرضي أو بمحض الصدفة.

ما يحدث في المنطقة العربية من مآس ناجم عن خلل في البنية الداخلية لهذه المجتمعات. إنه خلل ثقافي دفين فينا. وهنا تكمن مشكلة أخرى، عادة ما نبخس من قيمة الثقافة فنحصرها في مهرجانات وندوات وجامعات. والحال أنّ الثقافة هي البنية الثاوية في الوعي الجمعي واللاوعي الجمعي للشعوب. إن ما يحدث في الأوطان هو انعكاس لما يحدث في الأذهان. وما يحدث في الأذهان هو المضمون الفعلي لكلمة الثقافة.

صحيح أن للعوامل الخارجية دورا، لكن لا بد من الحفاظ على الترتيب، الأولوية دائما للعوامل الداخلية. ومثلا، نعترف بوجود قوى عالمية لها مصالح قد تتقاطع مع مصالحنا (التي لم نتوافق حولها بعد)، لكن هل نحن فعلا مجرّد أدوات؟ عادة ما نسأل عما تريده أميركا هنا الآن، أو ما تريده إسرائيل هنا الآن، أو ما يريده الأوروبيون، أو روسيا “القيصرية” أو إيران “الصفوية” أو تركيا “العثمانية”، لكننا لا نطرح السؤال الأساس: ماذا نريد نحن بالذات؟ وهل توافقنا حول من نحن؟ وهل حدّدنا المشروع المستقبلي الذي يجب أن يجمعنا؟ أم سنظل ننظر إلى الماضي؟ شيء آخر نتعلمه من اللغة العربية: كان فعل ماض ناقص، والنقص يطال الوجود والزمان.

كاتب مغربي

9