الحديث الغائب عن الإرهاب العربي - العربي في الصحافة الأوروبية

الخميس 2015/11/19

حين تحدّث الفرنسيّون عن هجمات الجمعة 13 نوفمبر الفارط وربطوا الظاهرة بالإرهاب قلّما أشاروا إلى أنّ هناك إرهابا عربيّا – عربيا، أو إسلاميّا – إسلاميّا وغاب الحديث عن أنّ الإرهاب قد ضرب ويضرب القريب قبل البعيد. وقلما نظروا إلى الإرهاب على أنه حدث كوني لا يستثني المجتمعات العربية. وهذا الصمت هو الذي نعتبره حديثا غائبا عن الأحداث الإرهابية أو قل هو مغيّب قصدا يهمّنا أن نعرف أسبابه.

صحيح أنّ الواقعة أكبر وأنّ العاصمة الفرنسيّة من أهمّ عواصم الدنيا، وصحيح أنّ اللحظة تتطلب التركيز على المصاب وأنّ تعميمه تخفيف غير مطلوب له وصحيح أنّ عولمة الإرهاب هي بدورها سياسة تتطلب سياسة مقابلة لها تتمثّل في عولمة التصدي للإرهاب كلّ ذلك قد نفهمه أو نتفهّمه، لكنّ الصمت عن الحيثيات والوقائع وتناسي أنّ الإرهاب ضرب ويضرب أمصارا عربية كثيرة، كتونس وليبيا ومصر وسوريا ولبنان والعراق، لا نعتقده صمتا مجانيا بل نراه مقصودا، ذلك أنّه حين تحدثُ مثل التفجيرات الأخيرة في باريس تكثر الكتابات التي تجنح دائما إلى تصوير العرب والمسلمين لا على أنّهم موضوع للإرهاب بل على أنّهم مصدر له.

إريك ليسير وهو صحفي سابق بجريدة لوموند ومدير موقع Slate.fr كتب مقالا في اليوم التالي للأحداث على هذا الموقع عنوانه “هجمات 13 نوفمبر: 11 سبتمبر الفرنسي” قاس فيه بين عنف الهجمات الفرنسية وضخامة أحداث سبتمبر الشهيرة، وفي متن المقال يقول “سيدخل يوم الجمعة 13 نوفمبر 2015 التاريخ باعتباره اليوم الذي نُكبت فيه فرنسا بدورها بهجمات إرهابية عمياء متعدّدة مثلما نكبت بها الولايات المتحدة الأميركية في 2001 وأسبانيا في 2004 والمملكة المتّحدة في 2005 والهند في 2008”.

ويركّز المقال على أوجه التشابه بين الهجمات الفرنسية وهجمات 11 سبتمبر، ومن بينها أنّ عجز الاستخبارات الفرنسية عن الوصول إلى الجناة قبل تنفيذ مخططهم الإرهابي يشبه عجز الاستخبارات الأميركية وأجهزة الأمن في اكتشاف المخطط قبل تنفيذه. وتواترت تسمية “11 سبتمبر الفرنسي” في الصحافة الناطقة بالفرنسية، فنجدها في مقال بريان مايلس، الصحفي والمدوّن والأستاذ الجامعي بالكيبك، في مقال عنوانه “11 سبتمبر الفرنسيين” يقول فيه “مضت 15 سنة منذ أن شهدت الولايات المتحدة واقعتها المعروفة اختصارا بـ 9/11 وهو اختصار إنكليزي لـ11 سبتمبر والآن يواجه الفرنسيون قدر جُمُعَتهم الموافقة للثالث عشر من الشهر” (يعني تشاؤم الغرب من اقتران هذا اليوم بيوم الجمعة).

وغطت جريدة “ليبراسيون” الفرنسية الأحداث تحت عنوان 11 سبتمبر فرنسا من منظار الصحف الأجنبية وفي هذه التغطية وردت التسمية نفسها في جرائد أوروبية أخرى بيّنت، بدورها، التقارب بين الحدثيْن، وذكرت صحف أوروبية أنّ فرنسا كانت بعد الولايات المتّحدة من أبرز المعارضين للدولة الإسلامية. وعلى العموم فإنّ التغطية الأوروبية لأحداث فرنسا قايست بين ما يحدث في فرنسا وما يحدث في أقطار أوروبية أو غربية أخرى لجملة من الأسباب نوردها في ما يلي:

أوّلها أنّ الأوروبييّن يتحرّكون ككتلة سياسيّة وكاتّحاد أوروبيّ فعليّ يلمس الواقع ويشعر به المواطن الأوروبي الذي بات يعلم أنّ أيّ خطر إرهابي أو غير إرهابي يهدّد دولة أوروبية إنّما هو منتقل إليه بحكم القرب الجغرافي من ناحية، والتقارب الثقافي من ناحية أخرى. ونحن لمحنا هذا التقارب في وجهات النظر في التعامل الأوروبي مع ملفّ اللاجئين السوريّين، فباستثناء الموقف الألماني الذي أبدى مرونة، فإنّ غالبيّة البلدان الأوروبية أبدت تشدّدا في التعامل مع الملفّ.

ثانيها أنّ قياس فرنسا على الولايات المتحدة من ناحية، وعلى دول غربية كثيرة يدعم نظرة ثنائيّة تقول إنّ للإرهاب مصدرا وهدفا جغرافيّين، فإذا حدّدنا هدف الإرهاب وهو أوروبّا والولايات المتّحدة وعلمنا مصدره الجغرافي (الشرق الأوسط الكبير) والعقدي (الإسلام الأصولي المتشدّد)، عرفنا أنّ السياسة الوقائية الوحيدة هي القضاء عليه في مواطنه قبل الوصول إلى أوروبا وأميركا، وهذه السياسة ليست في الحقيقة جديدة لأنّها وراء زعزعة الاستقرار بالشرق الأوسط تحت مسمّى القضاء على الإرهاب. والحقيقة أنّ هذه الوجهة من النّظر قد تفضح في الصحافة الأوروبية نفسها، ففي هذا السياق يندرج ما نشر في جريدة الغارديان البريطانية من أنّ نصف المقاتلين في سوريا والعراق ينحدرون من أصول فرنسية، وتردّ إلى السبب كون باريس كانت عرضة للهجمات الإرهابية أكثر من غيرها.

ثالثها أنّ تسيير السياسة الخارجية في كثير من الدول العظمى بات تحرّكه صناعة المُثِير ونعني به إيجاد سبب يكون كالمثير لتوفير استجابة سريعة لمطلب سياسي لا يتطلب الانتظار. وصناعة المثير يمكن أن تحركها الأيدي الكثيرة ولا يمكن حملها على الصدفة، ذلك أنّ البلدان الديمقراطية التي يسطر سياستها الرأي العامّ والمجتمع المدني تجمّع لديها كلّ ما يمكن أن يوجّه سياستها الخارجية ويوفّر لها الدعم والحشد. وما يصنعه الإرهاب ومنظر الموت في العالم هو أنه يجعل المواطن الحر ينادي بما ينادي به مانويل فالس رئيس الوزراء الفرنسي الحالي حين قال بعد الأحداث “ينبغي في بعض الأحيان أن نحدّ من عدد من حرّياتنا”، وهذا الكلام لا يقبل إلاّ في الأزمات، فالتقييد من الحريات لأجل الأمن بالتنصّت على المواطنين، أو بتقييد حرّية التنقّل أو بغيرها من وسائل المراقبة، يصبح شرعيا من أجل مصلحة الوطن العليا؛ ومن الناحية الخارجية يمكن أن تحلّ مسائل الهجرة غير الشرعية وقضايا اللاجئين، والتّعسكُر في ركن معيّن من الأركان السياسية لحلّ أزمة الشرق الأوسط وغيرها من الحلول التي تعجّل بها هذه الضربات الإرهابية.

غير أنّه وبعيدا عن هذه الرؤية التي تجعل للإرهاب مصدرا وهدفا جغرافيين وأيديولوجيين معلوميْن، فإنّه لا يخفى أن الإرهاب يضرب في كل مكان وأن أكثر الدول تضررا منه في الوقت الحالي هي الدول التي يعتبرها الأوروبيّون “مُصنّعة للإرهاب”.

والحقيقة أنّ مصطلح تصنيع الإرهاب ينبغي أن يحظى بتدقيق أكبر، بإماطة اللثام عن الوسائل الفكرية والأيديولوجية والمصالح الدولية التي تصنع الإرهاب في العالم وتخلق جماعات لا تميّز بين تفجير قريب أو تفجير بعيد؛ أمّا القول بأنّ هدفها تأسيس دولة الخلافة أو فرض وجهة نظر للإسلام المتطرّف والجهادي أو غيرها من الأفكار التي قيلت، وتقال، في توصيف أهداف هذه الجماعات فلم تعد فرضيّات مقنعة.

أستاذ جامعي من تونس

8