الحديث عن الأخبار المأساوية مع الصغار أفضل من حجبها عنهم

الثلاثاء 2015/01/20
الذكريات المؤلمة تؤثر على الحياة اليومية

تتخوف العديد من الأسر من تأثير الأخبار المأساوية في العالم على سلوكات ونفسيات أبنائهم، وخاصة في ظل تعدد وسائل المعلومات والتكنولوجيات الحديثة التي جعلت الطفل ليس بمعزل عن دائرة الأحداث العالمية.

ويرى الخبراء أنه بإمكان الآباء منع أطفالهم من متابعة هذه الأحداث عبر التلفزيون أو الإنترنت إذا كانوا متواجدين معهم في المنزل، ولكنهم لن يستطيعوا أن يكونوا حراسا دائمين لهم في الشارع والمدرسة، فيسدون آذانهم عن سماع الأخبار السيئة التي قد ينقلها لهم أشخاص آخرون، ولذلك فمن الأفضل للآباء السماح لأبنائهم بمتابعتها في وسائل الإعلام النزيهة ومناقشتها معهم بأساليب خالية من التطرف والعنصرية.

وأوضحت هيلاري آن سالينغر المختصة في علم نفس الأطفال والمراهقين حول هذا الأمر “المشكلة تكمن في أنه لا يمكننا عزل الأطفال، لأنه مهما بذلنا من جهود فإننا لن نتمكن من النأي بهم عن الأخبار السيئة المتداولة في كل مكان”.

ودعت الآباء إلى ضرورة السماح لأطفالهم بمتابعة تلك الأحداث، ولكنها اشرطت أن تكون مصادرها نزيهة، أو قيام الأولياء بتلك المهمة بأنفسهم، لتجنيب أبنائهم الأفكار المتحيزة والمغالطات التي من شأنها أن تدفعهم إلى تبني سلوكات عنيفة أو متطرفة.

ومن أجل سلامة الأطفال من الصدمات النفسية التي قد تسببها تلك الأحداث أوصت الباحثة بضرورة أن يتحدث الآباء بإيجابية عن البيئة التي يعيشون فيها لبث الطمأنينة في نفوس أبنائهم قبل التطرق إلى الأحداث الجارية في بلدان أخرى.

ونبهت الآباء الذين يعيشون في بيئة تشهد صراعات أو كوارث بمحاولة تجنيب أطفالهم المشاهد العنيفة قدر المستطاع وعدم إظهار خوفهم أو توترهم أمامهم.

مخلفات الصدمات النفسية التي تسببها مشاهد العنف على الأطفال يمكن أن يوازي تأثيرها إساءة معاملتهم

وتؤكد الأبحاث الحديثة أن مخلفات مشاهد العنف على الأطفال يمكن أن يوازي تأثيرها إساءة معاملتهم عاطفيا. وأثبت علماء نفس أميركيون أن هناك علاقة قوية بين منطقة الحصين بالمخ والمشاعر والذاكرة، ومدى تعرض الأطفال لعوامل الضغط النفسي والعصبي.

وقدموا بذلك دليلا مباشرا على أن الأطفال الذين يعانون من عوارض اضطراب ما بعد الصدمة يعانون أيضا من خلل في وظيفة قرن آمون في المخ وهي المنطقة التي تختزن الذكريات وتستعيدها.

ويعتقد الخبراء أن الأطفال الذين يعانون من هذه العوارض يتصرفون بطريقة مغايرة لنظرائهم الذين يتمتعون بصحة عقلية طبيعية. وقال المحلل النفسي فكتور غاريون إن الدماغ لا يفرق بين الجانبين الإحيائي في “علم الأحياء” و النفسي”، موضحا أن “اضطراب ما بعد الصدمة لا يتعلق فقط بالذكريات المؤلمة، بل ويؤثر على الحياة اليومية أيضا”.

وأشار إلى أن اضطراب ما بعد الصدمة يمكن أن يؤثر على نمو دماغ الأطفال وتطوره، وتزيد خطر الإصابة بالكآبة، مشددا على أن “التدخل المبكر أساسي جدا لمساعدة الأطفال الذين يعانون من هذه الحالة”.

كما أكد عالم الأعصاب برتغالي الأصل والمقيم في الولايات المتحدة الأميركية أنطونيو داماسيو أن اضطرابات نظام الدماغ يمكنها أن تؤدي إلى أعطال وظيفية في طبيعة عمل الدماغ ولا سيما في الدورة المجهرية للعصبونات.

وأوضح أن حتى الاضطرابات الخفيفة في النظام العصبي للمخ بإمكانها أن تؤدي إلى اضطرابات كبيرة وخطرة في مستوى الحياة الذهنية للطفل. ويرى الكثير من الباحثين أن مشاهدة الأطفال لحوادث عنيفة يمكن أن تدفعهم إلى العزلة والانفصال عن الواقع، وقد تشوش أفكارهم وتؤثر على أدائهم الدراسي.

واكتشفوا من خلال دراساتهم التي أجروها في هذا النطاق أن الأطفال الذين تعرضوا لصدمات نفسية بدوا خلال بلوغهم مرحلة الرشد أقل تركيزا في عملهم، ونادرا ما تزوجوا، وأقل استقرارا في علاقاتهم الاجتماعية.

اضطراب ما بعد الصدمة يمكن أن يؤثر على نمو دماغ الأطفال وتطوره، ويزيد خطر الإصابة بالكآبة

وحذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسيف” في أكثر من مناسبة من الانعكاسات السلبية لمشاهد العنف التي تتضمنها النشرات الإخبارية على الأطفال.

وأوضحت آن فينمان، المديرة التنفيذية لليونيسيف أن العنف لا يترك أثرا دائما على الأطفال وأسرهم فحسب، وإنما أيضا على المجتمعات والدول. ورغم أن الاضطرابات النفسية أمر شائع وهي تعطّل قدرات الأشخاص وتعيقهم على الحياة بشكل طبيعي، إلا أنها لا تخضع للعلاج في أغلب المجتمعات.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أصدرت في عام 2013 بروتوكولات ومبادئ توجيهية سريرية جديدة للعاملين في مجال الرعاية الصحية لعلاج آثار الصدمة وفواجع الفقدان على الصحة النفسية.

وتعكف حاليا على توسيع نطاق هذا البرنامج من خلال إدراج الرعاية المقدمة للمصابين باضطرابات الإجهاد اللاحقة للصدمة وحالات الإجهاد الوخيم وفاجعة الفقدان ضمن برنامجها العالمي.

21