الحديث عن خلافة الرئيس التونسي أبكر من اللازم

أبقى رئيس حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي، خلال تصريحاته الأخيرة، باب ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة مفتوحا، وهو الأمر الذي اعتبره مراقبون أول خطوة له نحو قصر قرطاج الرئاسي.
الخميس 2016/10/13
عين على الحركة والأخرى على قصر قرطاج

تونس - تزايد الحديث في تونس حول مرحلة ما بعد الرئيس الباجي قائد السبسي، حتى أصبح محور الصالونات السياسية، وسط جدل متواصل يأتي على وقع ارتفاع عدد الراغبين في خلافة الرئيس قائد السبسي الذي تنتهي ولايته الرئاسية في العام 2019.

ورغم دقة هذا الموضوع الذي بدأ يخرج تدريجيا من حدود الصالونات السياسية إلى الإعلام، فإن حدة الجدل المرافق له، جعلت المراقبين يقولون إن معركة الحملات التمهيدية استعدادا للاستحقاق الرئاسي قد بدأت قبل أوانها، وذلك منذ تكليف يوسف الشاهد برئاسة الحكومة، ومحاولة فرضه كرئيس للهيئة السياسية لحركة نداء تونس.

واتخذ هذا الجدل منحى جديدا مع دخول رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي إلى هذا المعترك بتصريحات أبقت الباب مفتوحا أمام إمكانية ترشحه لخلافة الرئيس قائد السبسي، وذلك في تطور أثار مخاوف البعض من الأوساط السياسية التي لا تُخفي خشيتها من المشروع المُستتر لحركة النهضة الإسلامية.

وأضفى الغنوشي في تصريحات نشرت الثلاثاء، نوعا من الغموض والضبابية على موقفه حول اعتزامه الترشح للاستحقاق الرئاسي القادم، ما عمّق تلك المخاوف، ولا سيما أن كل المعطيات تشير إلى أن الغنوشي يولي هذا الأمر أهمية بالغة، حيث لا يخفي رغبته في إنهاء مشواره السياسي كرئيس للبلاد.

ورأى مراقبون أن الغنوشي يكون بهذا الموقف الموارب، قد بدأ أول خطوة في طريقه نحو قصر قرطاج الرئاسي، غير آبه بحجم الأصوات داخل حركته التي تطالبه بالانسحاب من رئاسة حركة النهضة، وعدم الترشح إلى الانتخابات الرئاسية القادمة.

واعتبر المحلل السياسي التونسي منذر ثابت، أن الغنوشي يدرك أن مرحلة ما بعد الرئيس الباجي قائد السبسي فتحها الرئيس قائد السبسي نفسه عندما عيّن يوسف الشاهد رئيسا للحكومة، وقد تتالت بعد ذلك الحلقات التي تستهدف استكشاف إمكانيات تركيزه داخل تنظيم سياسي يدعمه الرئيس قائد السبسي نفسه لمواجهة الاستحقاقات المرتقبة، وخاصة منها الاستحقاق الرئاسي.

وقال لـ”العرب”، إن الغنوشي فهم مغزى التحركات التي يقوم بها الرئيس قائد السبسي، لذلك سارع إلى البدء في تعبيد الطريق نحو تحقيق حلمه، أي الوصول إلى قصر الرئاسة بقرطاج بغض النظر عن المواقف الأخرى الرافضة أو المتحفظة على هذا التوجه الذي يصفه البعض داخل حركة النهضة الإسلامية بـ”الانتحار السياسي”.

وبحسب منذر ثابت، فإن هناك صراعا صامتا داخل حركة النهضة الإسلامية، حول المسألة الديمقراطية والتداول على المسؤوليات، برز من خلال تصريحات القيادي النهضاوي عبداللطيف المكي في أكثر من مناسبة.

وذهب إلى القول إنه بناء على تطورات هذا الصراع، بدأ الغنوشي يفكر جديا في الترشح للاستحقاق الرئاسي، وهو بذلك يريد إنهاء مشواره السياسي كرئيس للجمهورية التونسية، أو كزعيم للحركة الإسلامية الدولية.

وتكاد مختلف الأوساط السياسية تجمع على أن الغنوشي الذي يسعى إلى الظهور في صورة الشخصية الوطنية، يطمح في أن يكون رئيس تونس المقبل، وهو ما يفسر تكثيف تحركاته واتصالاته في هذا المجال، والتي وصفها منذر ثابت بأنها خطة تكتيكية جديدة الهدف منها “إخراج حركة النهضة الإسلامية من المربع الانعزالي، ليكون هو مقبولا داخل النخب السياسية والفكرية، ولدعم حظوظه في صورة ترشحه للانتخابات”.

واستغل الغنوشي الصلاحيات العديدة التي انتزعها من المؤتمر العاشر لحركته، ليفرض مواقفه، ما ساهم في تزايد الانتقادات الموجهة إليه داخل حركته، وهي انتقادات ردّ عليها في تصريحاته التي نشرت الثلاثاء، بالقول إنه “ليس رئيسا لطائفة في النهضة، بل رئيس لكل النهضة، وهو رئيس منتخب ولم يأت إلى الحركة على ظهر دبابة”.

ويرجح المتابعون لتطورات الساحة التونسية أن يتواصل هذا الجدل حتى يكون العنوان الأبرز في البلاد باعتبار الفراغ الحالي الذي يتسم به المشهد السياسي، وهو فراغ قد يكون وراء هذا الطموح المتزايد للغنوشي للوصول إلى قصر قرطاج، وكذلك أيضا داخل حركة النهضة، وذلك على ضوء حالة الاحتقان التي تعيشها على أكثر من صعيد، والتي بدأت تتعمق مع بروز رغبة الغنوشي في الترشح للاستحقاق الرئاسي القادم.

وكان عبدالفتاح مورو نائب الغنوشي قد عبر عن تلك الحالة عندما قال في تصريحات تلفزيونية سابقة، “إن حركة النهضة غير مهيأة حاليا لإخراج رئيس جمهورية، وإن الأمر مازال يتطلب سنوات طويلة حتى تصبح مهيأة لذلك”.

وأقر مورو بأن فكرة ترشح الغنوشي للاستحقاق الرئاسي القادم “أصبحت متداولة إعلاميا، رغم أنها لم تطرح رسميا داخل هياكل حركة النهضة”، ولم يتردد في المقابل في التعبير عن رفضه لمثل هذا الترشح قائلا “لو طلب الغنوشي نصيحتي سأقول له لا تترشح”.

وتابع قائلا إن “منصب الرئاسة سيقلل من قيمة الغنوشي، وسيصبح أصغر من القطّوس (القط)”، ثم دعاه إلى الانسحاب من رئاسة حركة النهضة، وعدم التفكير في الوصول إلى قصر قرطاج الرئاسي.

وقبل ذلك، قال القيادي في حركة النهضة رفيق عبدالسلام، إنه من حق الغنوشي الترشح للانتخابات الرئاسية، وبرر ذلك بما صادق عليه المؤتمر العاشر لحركة النهضة من قرارات، منها السماح للغنوشي بالترشح إلى أعلى المناصب في الدولة.

وبين هذا الرأي وذاك، يسود انطباع لدى أغلب المراقبين لما تعيشه تونس من تطورات، بأن مسألة ترشح الغنوشي للانتخابات الرئاسية من عدمها، ستضعه دون شك في دائرة الضوء مجددا، وقد تتيح له هوامش جديدة للتعامل مع متغيرات متسارعة، ومع ذلك فلا تمكن قراءة تحركات الغنوشي واتصالاته من خارج إطار التعبير عن رغبة جامحة لدى الغنوشي في الوصول إلى قصر قرطاج الرئاسي، وهي رغبة إن تحققت ستجعل القوى الحداثية المشتتة والمنقسمة على بعضها ترى أسوأ كوابيسها.

4