الحديث في السياسة بالبلاد العربية.. غيابه لعنة وحضوره تخمة

جاري أبو شفيق في دمشق بائع الموبايلات، يجلس خلف طاولته ويمسك بالقلم بين يديه مستعينا ببعض المفردات المصرية ويقرأ الوضع على طريقة حسنين هيكل، أمّا حسام الحلاّق فما ينفكّ يذكر في صالونه اسم الصحافي البريطاني ذائع الصيت، روبيرت فيسك، وقد اكتشف اسمه حديثا، وكثيرا ما كان يصطدم مع صانعه الذي لا يخفي إعجابه بالمحلّلين اللبنانيين ويستعير لهجتهم كلما حشره معلّمه في الزاوية.. وكثيرا ما كنت أهدّئ اللعب بين الاثنين (كتونسي) عندما يحمى وطيس النقاش، أثني على رحابة صدر المعلّم وأطلب منهما استراحة قصيرة لشرب الشاي (أي بريك) بلغة الفضائيات و(تي تايم) على طريقة الإنكليز.
الثلاثاء 2016/09/20

شخصيا، لم أتمالك نفسي عن الإدلاء بدلوي أمام أبناء حارتي من المحلّلين المتحمّسين في الشام، وكثيرا ما كنت أصطدم مع جاري اللحّام ذي الرأي المتشدّد.. أمّا جاري البقّال وبائع السجائر فكانا غالبا ما يلينان ويوافقاني الرأي كلّما سدّدت لهما دينهما وابتعت من دكانيهما. يحدث أن تتعارض وتتصادم آراء أبناء الحارة الدمشقية: (أبو عمر السنّي مع أبي حسين الشيعي مع أبي سلمان الدرزي مع أبي غسّان المسيحي مع أبي حسكو الكردي مع أبي إسماعيل العلوي، مع أبي سنحريب الآشوري مع أبي جاكوب الأرمني مع أبي نارت الشركسي ).. لكنهم يعودون لشرب الشاي والضحك.

هل كنّا، نحن العرب، نجلس فوق برميل بارود ونظنه (شيشة) مريحة؟ هل استيقظت الفتنة النائمة؟ ومن أيقظها يا ترى؟ أم أنّ الأمر مجرّد احتقان ويزول … رغم الجراح. المحلّلون السياسيون في بلاد العرب مثل محلّلي الدم والبول وغيرهما في المخابر التجارية الرخيصة، ينبّهون لوجود داء غير موجود أو يبشّرون بصحّة جيّدة ووهميّة تفتك بالمريض المغفّل فور خروجه من مخابرهم.

قد يكون “المحلّلون” هم المرض والمرضى فلنتجنّبهم قدر الإمكان ونكتفي بالصبر والدعاء لنا ولهم… وعلى الذي كان سببا في وجودهم… طبعا، هم ليسوا سببا في وجود الأزمة بل في إذكائها. مجتمعات الربيع العربي انفلتت ممّا كان يعتبر في الأمس القريب خطا أحمر، وصار الحديث في السياسة قوتهم اليومي (ويخشى أن يكون الوحيد)، فنحن، معشر العرب، لا نتقن إلاّ الإفراط أو التفريط سلبا أو ايجابا، لذلك دعت الحاجة إلى قراءة كتاب “إتكيت إميلي بوست” للأميركية آنا بوست، في تعليم فنون الإتيكيت وأصول التعامل مع الآخرين، وآراؤها وتعاليمها لا تزال مرجعا قيّما في هذا المجال، فهي تشدد على الأمور التالية:

ـ الاحترام المتبادل: ما هو موقفك؟ ماهو هدفك من الحديث في السياسة؟ هل تدخل في النقاش للتعلم؟ هل تحاول إقناع شخص ما بأفكارك السياسية؟ إذا كنت تريد ذلك فإن من المهم جدا التقيد بسلوك لا يخرج عن نطاق الاحترام المتبادل، من الجدير بالذكر تجنب تفريغ غضبك بشخص لا تحبه في حديث سياسي.

ـ التمسك بالمعرفة العامة عند الحديث السياسي: ما هو موقف المرشح؟ ما هي آخر الأخبار؟ يجب أن تكون لديك معرفة ما ولا تناقش بلا أي خلفية.

ـ البقاء بعيدا عن أي حديث شخصي في النقاش: لمن تصوت؟ أنا أكره حزبا سياسيا معينا؟ كيف تقبل أن تؤيد هذا المرشح؟ هذه نقاط شخصية جداً ولا تصلح كمدخل للحوار.

ـ اتباع إستراتيجية للخروج من الحديث: اذا كان خيارك هو عدم المتابعة في الحديث في حال اتخذ له منحى سلبيا: أعتقد أن رؤيتنا ليست واحدة أو سأنظر بالأمر مجددا من وجهة نظرك أو بالنسبة إلي، الموضوع شخصي.

ـ الوقت والمكان المناسبان: هناك أوقات من الضروري أن تبتعد فيها عن المواضيع السياسية: أحداث في اجتماعات تنسى كالزفاف والأعياد، ذكريات لا يمكن أن تساهم في تحويلها إلى ذكريات سيئة، أحاديث العمل الرسمية كمقابلة عميل “ديجد”.

ـ الابتعاد عن الفرضيات: من الصعوبة معرفة المعتقدات الشخصية بطريقة افتراضية، ولكن في بعض المواقف يمكن أن تحدث بشكل حدسي، على الرغم من قناعتك الكاملة في رؤيتك إلى الأشخاص، ابتعد في الحديث السياسي عن الافتراض بأن شخصا ما يوافق معك أو يختلف معك في هذه المسألة.

المنطق والعاطفة: التوازن شكل مهم من أشكال نجاح الحديث السياسي، لذا فالمبالغة في العاطفة على حساب المنطق أمر يدعو إلى تغيير مسار الحديث وغايته.. وإغفال التأثير العاطفي أمر يجعل حديثك تنظيرا بحتا.

"فصدور الناس قد كانت قبور الكلمات"

يرحل السياسيون ويبقى المقهى والمتحدثون في السياسة

السياسة فن حكم المجتمعات وإدارة شؤونها، وليست حكرا على فئة دون غيرها، وإلاّ جنحنا نحو تلك النزعة الانتقائية ذات المنحى العنصري، كما هو الحال في الترتيبات الهرمية ذات المنشأ التفاضلي كما هو الحال في المجتمعات العبودية. السياسة هواء نتنفسه، ماء نشربه ورغيف نأكله بالمعنى الحرفي، لا المجازي، للعبارة، وإذا كانت أنظمة الاستبداد تمنع تعاطي السياسة وتحتكرها على نفسها، فإنّ ذلك يفضح رغبتها في كم الأفواه والإبقاء علينا رعية لا مواطنين.

النظم السياسية العربية، ومنذ بدايات تشكل الدولة، تنزعج أيما انزعاج ممّن يهتم بالشأن العام (حقه الطبيعي والمشروع)، وتنعته بالسفالة والتدخل غير اللائق، وكأنه تجاوز خطوطا حمراء لا يسمح بالاقتراب منها، حتى أنّ الوالي أبي الوفاء المهندس في أواخر العصر العباسي، قد سأل أبي حيان التوحيدى في إحدى مسامراته “بلغني أنّ العامة تخوض في أمور الخاصة، فما رأيك؟”.. هكذا قالها في ما يشبه طلقة الفزع.

إن ما تقدم من حكاية المهندس مع التوحيدي، يشبه صيحة فزع أطلقها الوالي المتعجرف لحماية سطوته من “الرعاع” كما يفهم من سياق استهجانه ومن ثم طلب النصح من جليسه ومسامره.. مسامره الذي يشبه مثقفي السلطة في تراخيهم وتواطؤهم في العصر العربي الحديث. يريد الحاكم، على مر العصور، أن يجعل من الحديث في السياسة “ثمرة محرمة” على بقية العباد، فيحوّط سلطانه بهالة وهمية وتحت ذرائع مختلفة، ويجعل لها كلاب حراسة وجلاوزة يقطعون لسان كل من تسوّل له نفسه الحديث في السياسة.

الاهتمام بالشأن السياسي والحديث فيه، حق وواجب، وفرض عين على كل مواطن، وليس “فرض كفاية” نوكله إلى المنتفعين من العمل السياسي، والذين يعتبرونه امتيازا لا مسؤولية.

السياسة في حياتنا تدخل من الشباك إن أنت أغلقت عليها الباب، وهي، وفي أنبل تعريفاتها، “مسؤولية الفرد إزاء المجموعة ” كما يقول مفكرو عصر الأنوار، وليست كما يصورها المتقاعسون والسلبيون بأنها “مقبرة للأخلاق”، وذلك في فهم خاطئ لما قاله تشرشل يوما حينما قرأ على قبر عبارة “هنا يرقد السياسي والفاضل” فعلق بقوله “عجبت كيف يرقد رجلان في قبر واحد”.

الزعيم البريطاني وينستون تشرشل قال يوما (من لم يكن ثوريا في سن العشرين فهو بلا قلب، ومن صار ثوريا بعد سن الأربعين فهو بلا عقل)

جاء الربيع العربي، ورغم كل تعثره وإحباطاته، ليقول إن لا خوف بعد اليوم، لكنّ حنين سلطات وهيئات عربية كثيرة إلى كم الأفواه والتوجس من الحديث في السياسة، مازالا قائمين مثل قول عبدالناصر إسماعيل، ممثل اتحاد المعلمين المصريين بعد نجاح ثورة يونيو: “هناك بالفعل تعليمات وصلت إلى المدارس بعدم الحديث في السياسة، ومن يخالفها سيحول إلى التحقيق” ورأى إسماعيل أن “هذا القرار يدل على عجز فى التعامل مع قضية التعليم بصفة عامة، وفشل في حل مشاكله، فمن الضروري وجود المزيد من الحريات والشفافية في التعامل مع أوضاع التعليم وأوضاع البلد ككل”.

وعرفت الندوة الإعلامية التي عقدها السفير الأسباني بالجزائر، أليخاندرو بولونكو ماطا، بكلية اللغات في جامعة تلمسان على هامش ملتقى دولي أدبي حول الأديب العالمي “سارفانتس”، حالة طوارئ لمحاولة منع الصحافيين من الحديث وطرح الأسئلة المتعلقة بالراهن السياسي، وهذا من طرف مسؤولين في الجامعة ومكلفين بالأمن، في حين أصرّ الصحافيون على الحديث إلى السفير بكل اللغات وفي كل المجالات. “فهل أصبح السفراء ممنوعين من الحديث عن السياسة في تلمسان؟ وإذا لم يتحدث سفير دولة معتمد في السياسة، فهل يتحدث عن فنون الطبخ؟” تساءل الصحافيون.

ما قاله الشاعر والمناضل النقابي التونسي الراحل منور صمادح في تمجيد الكلمة التي راح ضحيتها، يغني عن كل إضافة:

لما كنت صغيرا كنت أحبو الكلمات

كنت طفلا ألعب الحرف وألهو الكلمات

كنت أصواتا بلا معنى وراء الكلمات

وتخطّيت سنينا عثرتها الكلمات

أركض الأحلام والأوهام خلف الكلمات

ووراء الزمن الهارب أعدو الكلمات

كلّ ما أعرفه أنّي ظلمت الكلمات

وسمعت الناس يصغون لصوت الكلمات

فتكلّمت ولكن لم أفدها الكلمات

فصدور الناس قد كانت قبور الكلمات

قل لمن همه في الناس وخاف الكلمات

إنّما أنت شفاه ظمئت للكلمات

"كنت أصواتا بلا معنى وراء الكلمات"

أحد أشهر المقاهي السياسية في باريس تخفيها حاويات القمامة بسبب أزمة عمالية

“اسمع أيّها الرجل الصغير.. أنت الآن على حق، بل ينبغي أن تكون على حق، فمن لم يكن ثوريّا في سن العشرين فهو بلا قلب، ومن صار ثوريّا بعد سن الأربعين فهو بلا عقل”: عبارة ونستون الشهيرة هذه، قالها لي سائح أجنبي عجوز وهو يربّت على كتفي بعد أن أوجعت رأسه الأبيض بالحديث عن السياسة. ترك علبة سجائره على الشاطئ التونسي ثمّ غطس مزهوّا بحكمته المتأخّرة في بحر متوسّطي مترامي الأطراف والأسئلة، بحر تلامس مياهه شواطئ أعتى الديمقراطيات التي مل أهلها التحدث في السياسة.

أذكر أنّي عدت وقتها أتصفح الأمواج والغيوم وكتاب “ما العمل؟” لرفيق مراهقتي الثورية آنذاك فلادمير اليتش اليانوف لينين. كنت أدخّن من علبة سجائره “الإمبريالية” وكلّما تقدّمت بي فقرة في صفحات الكتاب الأحمر، أسمعت شتائمي السياسية لأمواج البحر، وتمنيت أن أخنق ذلك السائح العجوز، عجوز البحر، الذي سخر من حماستي واصفا إياها بـ”الحماقة الثورية” وأرتمى في المياه الدافئة.

الحيوان يسوسه اللجام.. وقد يسوس غيره من قطعان بني جنسه نحو مواطن الكلأ والظلال.. كذلك الإنسان.. تسوسه السياسة والسياسيون، والفرق لم يعد إذن إلاّ في حاسة النطق بين هذين الكائنين. و”فوبيا السياسة” هي رد فعل اجتماعي بدأ يتبلور ضد حمى السياسة كما في لبنان مثلا، ليس فقط في المتاجر والمقاهي، بل وصل إلى أروقة الجامعات والمدارس، وبدأت “فوبيا السياسة” تمتد إلى كل الأماكن التي فيها إمكانية لالتقاء رواد من الفريقين السياسيين، لأنها أصبحت عرضة لسجال ونقاش يحتدم مع كل أزمة سياسية ويخف مع كل انفراج وهدوء سياسي. وتقول رجا شاتيلا، وهي باحثة من لبنان “حجم التسييس لدى المجتمع اللبناني تجاوز الحد وكاد ينقلب إلى الضد، فحتى أطفال الخمس والست سنوات أصبحوا مسيسين ويتساءلون بعد كل حدث سياسي كبير إلى أي مجموعة ينتمون وإلى أي مجموعة سياسية ينتمي زملاؤهم في الدراسة أو أصدقاؤهم وجيرانهم في الحي.

يريد الحاكم على مر العصور أن يجعل من الحديث في السياسة "ثمرة محرمة" على بقية العباد، فيحوط سلطانه بهالة وهمية وتحت ذرائع مختلفة

“رجاء.. عدم التحدث فى السياسة”، ورقة كتبها الرجل الثلاثيني داخل محل عمله بمركز لصيانة أجهزة الكمبيوتر وسط القاهرة، بعد أن ضاق ذرعا من الحرب بين مؤيد ومعارض، التى تسببت في تدهور حركة البيع والشراء بسبب صور البابا شنودة والبابا كيرلس، المعلقة في واجهة المحل، لتبدأ معها سلسلة من الاتهامات بين زبائنه: «يا إخواني» تنافس «يا انقلابي»، وبينهما «أصلك مسيحي».. مرور الأيام لا يؤكد للشاب القبطي سوى صحة وجهة نظره؛ لذا عقد نيته على عدم إزالة اللافتة، وبرر: «لما تبقى ترجع لنا الأخلاق اللي ضاعت، أبقى أشيل اليافطة». «أنت انقلابي» التهمة التي لم يسمع عنها سامر نسيم إلا بعد ثورة 30 يونيو، عندما توجد مجموعة من الزبائن داخل المحل من أنصار الرئيس المعزول محمد مرسى فتقلب الدنيا رأسا على عقب: «الإخوان اللي بيدخلوا المحل أول ما يشوفوا صورة البابا يقولولي آه مش انتوا الانقلابيين اللي نزلتوا يوم 30 تأيدوا السيسي؟ واستفزازات ما بتخلصش»، وأحيانا يتحول «سامر» إلى حكم يفصل فى النزاع بين مؤيد ومعارض، مما أدى إلى قلة حركة البيع والشراء: «المشكلة إنهم عاوزين يسمعوا الكلام اللي يريحهم، ولو راضيت طرف التاني هيمشي، وده مكان أكل عيش، مش صالون سياسي».

اسمحوا لي أخيرا بالعودة إلى الحديث عن السائح الأوروبي الذي التقيته عند شاطئ البحر في تونس: “أنا الآن أعيد تصفّح ذات الكتاب في ذهني وفي ذات المكان بعد ما يزيد عن ربع قرن وقد شحبت كلّ الألوان ما عدا البحر. أكثر من عشرين عاما كنت أسأل.. ومعها بدأت تختفي تلك الحماسة التي منعتني من الاستمتاع بالبحر، لأجل ابتلاع كتاب عسير الهضم .. ولم أعد أجد فيه اليوم شيئا يعنيني أو يمتعني.. لكن ابني الكبير يقرأه اليوم باهتمام.

يصر من يمنعون الكلام في السياسة على أن تعود السياسة إلى مواقعها وتوقف زحفها على كل مكان، وهو ما يشير إليه تاجر آخر قائلا “عندما أفتح دكاني في الصباح فإني أفعل ذلك لأكسب قوت يومي، هذا ليس منتدى سياسيا أو مقر حزب”. وفي مقهى تونسي إبان الحملات الانتخابية، كتب صاحبه لافتة باللغتين العربية والفرنسية “تفاديا لما يثيره الحديث السياسي، أذكر السادة الزبائن أنهم ليسوا مرشحين، وهذا المحل ليس برلمانا”.

12