الحديقة الصخرية

السبت 2016/08/27

أول ما تعلمته من كازانتزاكي كان عبارة وردت في كتاب مذكراته الرائع “تقرير إلى غريكو” تلك هي عبارة “كل صباح أولد من جديد” هكذا بدأت أردد العبارة مع نفسي لتجاوز أحزان الحياة واجتراح الرؤية السديدة بعد التجارب المريرة في بلاد الحروب.

نيكوس كازانتزاكي الإغريقي الكريتي كان أحد المعلمين الكبار الذين مجدوا الطبيعة والأرض والجذور والكلمة والعقل، أحبوا الجوهر المتصارع في أعماق البشر، طرحوا السؤال تلو الآخر دونما كلل، كابدوا الحج إلى متاهات الحياة مرارا مترنحين بين نعمة الهدوء وفورة الثورة، هو الذي أنجز ترجمة معاصرة لأوديسة هوميروس بالإنكليزية وأطلق النموذج الزوربوي ذا النزعة الأبيقورية المعنية باللذة اللحظية، ثم انشغل بتخليق الحياة كل لحظة ليرد على الصرخة الممتدة القائلة “إن هدف الحياة الموت ونحن نكتب ونعزف ونرقص ونؤلف الملاحم ونولد كل لحظة، ذلك أن هدف الحياة هو الخلود”.

يقول في كتابه الصغير والأكثر أهمية بين كتبه “الحديقة الصخرية” إن في داخل الكائن الحي ذلك الاصطدام المستمر بجدولين متضادين يمثلان الفناء والحياة “في داخل كل منا تتصارع قوتان أو جدولان، الأول هو شهوة الارتقاء نحو التكوين والتشكل والتطور الروحي والاتجاه نحو الحياة والخلود، أما الثاني فهو الانحدار نحو التفكك نحو المادة، نحو الموت، وينبع كلا الجدولين من أعماق جوهرنا البدائي..”.

من هذا الكتاب تعلمت أن أبصر الظلام والقسوة والدم لكي أجيد اعتناق النور وأفهم جوهر الضياء، وهو الكتاب الذي يذكرنا كل آونة أننا نجيء من هاوية مظلمة وننتهي إلى هاوية مظلمة ونسمي الفاصل المضيء حياة، غير أن فكرته هنا تختلف عن فكرة العود الأبدي لفريدريك نيتشة، فهو مبتكر أفكار يجيد توجيه مصباحه الكاشف نحو المفاصل المعتمة في الروح الإنسانية ويؤمن بأن الإنسان حالما يولد تبدأ لديه رحلة الرجوع، وأن البشر يموتون كل لحظة ويصاب الكثير منهم بالهلع من فكرة الموت ويتساءلون جزعين: لماذا نولد؟ هل هدف الحياة هو الموت؟

تعلمت من هذا الكتاب الصغير والجليل ومن ملحمة كلكامش المفهوم الدقيق للوجود وأعانتني الأسئلة الوجودية في كلا العملين على وعي الحياة التي تبقى مصدر دهشة لنا وتبدو مقاومة لقانون الطبيعة المخيف، علمني الكتابان أن الحياة بلا بداية كالموت تماما، ويترتب علينا واجب وجودي إزاءها لنخلق الانسجام بين هاتين القوتين المتصارعتين.

يقترح علينا كازانتزاكي أن نهيئ أنفسنا، وأن نقوم بمهمة التحضير لعبور الهاوية وعلينا ثلاثة واجبات لا بد من إدراكها والقيام بها يعددها كزانتزاكي في “الحديقة الصخرية” التي يصفها بأنها نص عن عقيدة الزن والحدائق الرمزية اليابانية المشكلة من دوامات الرمل والصخور الموزعة في تناغم وانسجام مع بعضها ومع الطبيعة المحيطة بها، ويقترح أن يكون واجبنا الأول هو الإقرار بأن كل ما حولنا هو من ابتداع أذهاننا..أن كل ما حولنا هو محض وهم وعلينا أن نتأمل العالم بهدوء ونقول إن كل ما نراه ونسمعه ونتذوقه ونشمه ونلمسه هو من ابتداع أذهاننا؛ فالشمس تشرق في رؤوسنا والنجوم تشع في أدمغتنا مع الأفكار وتملأنا الأغاني والنحيب، بوسع أدمغتنا محو كل شيء وتخليقه وعلينا أن نتفهم هذا الواجب ونؤدي مهمتنا جيدا ليكون بوسعنا ممارسة الواجب الثاني والواجب الثالث اللذين يضمنان عبورنا تلك الهوة المخيفة بين الولادة والموت، وسأكتب عنهما كيف صنعا مني ما أنا عليه .

كاتبة من العراق

15