الحد الفاصل بين حرية الإبداع وازدراء الأخلاق

الثلاثاء 2017/02/14
المجتمع طوق يضيق الخناق على الكتاب

سيبقى السؤال الجوهري في قضية الحكم على الإبداع الأدبي هو: هل ثمة حدود لحرية الكاتب وهو يكتب؟ وهل من حقه استخدام ألفاظ ومصطلحات يراها البعض من المتلقين “خدشا للحياء”، و”بذاءة”، بل و”عُهرًا” في البعض من الأحيان؟

الكثير من نقاد الفن والأدب، يميلون إلى أنه إذا كان الخيار بين أخلاق المجتمع وبين المعايير الفنية للكتابة، فإن الأولوية يجب حتما أن تكون للحفاظ على ما يرونه “أخلاقيات المجتمع” .. وبالتالي تنبغي التضحية بتقنيات الكتابة إذا ما استوجبت اللجوء إلى تلك الألفاظ أو هذه المصطلحات.

ليس بجديد في الكتابة الأدبية، استدعاء الجنس بمفرداته المختلفة، كأعضاء جسد المرأة أو الرجل الحميمة، أو وصف الممارسات السرية بين الذكر والأنثى، أو استخدام الألفاظ “المكشوفة”، ولنا في “ألف ليلة وليلة” المثل الأهم على ذلك.

غير أن النقاد الرافضين لهذا المسلك يشددون على أن المجتمعات العربية المعاصرة ترى أنه حتى لو استلزمت الضرورة الفنية اللجوء إلى كشف المستور، فإن ذلك ينبغي أن يتم وفق معايير أدبية صارمة، كي لا يتحول الأدب إلى “قلة أدب”.

الحقيقة أن رفض “الأدب المكشوف”، لا يقتصر فقط على رجال الدين، بل امتد في الكثير من الأحيان إلى أدباء مرموقين شددوا على أن الأدب يجب أن يكتسي برداء الحشمة والحياء، وإلا صار فيه ضرر كبير على الناس، وعلى سبيل المثال، ذلك الموقف الذي اتخذه الأديب الراحل، يحيى حقي، من رواية الروائي المصري، صُنع الله إبراهيم الأولى، والتي حملت عنوان “تلك الرائحة”، حيث وصفها حقي “بالقبح الفسيولوجي”.

ليت الأمر توقف عند الكُتاب والأدباء العرب، بل وجدناه يشمل العديد من أدباء الغرب أيضا، ومن قبلهم بالمئات من السنين، قال الفيلسوف الإغريقي أفلاطون في كتابه الأشهر “الجمهورية” “ينبغي مراقبة الشعراء، فإن لم يحملوا في إنتاجهم صورة الأخلاق الخيّرة، عاقبناهم بالحرمان من التأليف، ومنعناهم من إبراز الوضاعة والانحلال الخلقي والسفالة”، وهكذا نرى أن أفلاطون – قبل ألفي سنة ويزيد- كان مع المصادرة والمنع.

هذا الفريق المناهض لاستخدام اللغة المكشوفة في الأدب، يبرر موقفه الفكري هذا بأن الأصل في الفن (ونعلم أن الأدب أحد أنواع الفنون)، بناء المجتمع وليس هدمه، فإذا قاد الأدب إلى تقويض مبادئ الأخلاق الراسخة للمجتمعات، فلا حاجة بنا إليه.

ويصل الغضب من التحرر الأدبي أحيانا، حد الاتهام بالرِّدة الدينية، كما جرى لصاحب نوبل نجيب محفوظ، الذي بلغ الأمر معه في رواية أولاد حارتنا، أن أصدر مفتي الجماعة الإسلامية عمر عبدالرحمن فتوى بإهدار دمه، وهو ما حاول أن ينفذه بالفعل أحد الغلاة المتشددين، ولولا أن تمكن الأطباء من إنقاذ رقبة محفوظ، لكان ساعتها في عداد الموتى.

لكن هذا الطرح، من جانب الرافضين للغة المكشوفة للأدب، يثير إشكاليات أخرى تتمحور حول أسئلة: ما حدود الأخلاق أصلا؟ ومن بالضبط الموكل إليه هذا التحديد؟ إننا في مجتمعاتنا العربية، ولأننا شعوب ترتفع فيها نسب الأميّة وليست القراءة المتعمقة من بين عاداتها، يصبح من حق الآخرين (من غير الجمهور القارئ)، تحديد ما يصح وما لا يصح، حتى لو كانوا من غير المتخصصين، وغالبا ما تتصدى لتلك المهمة المؤسسات الدينية.

وشهد تاريخ الأدب المعاصر هذه الإشكالية أيضا في مرات كثيرة، منها على سبيل المثال، ما جرى لرواية الروائي الفرنسي الراحل غوستاف فلوبير “مدام بوفاري” الصادرة في عام 1856، وكذلك مع الروائي البريطاني ديفيد هربرت لورانس، الذي أثارت روايته “عشيق الليدي تشاترلي” لغطا كبيرا. وقد صدمت الروايتان العقل المحافظ بالمجتمعيْن الفرنسي والإنكليزي، وقيل أيامها نفس الذي يقال عندنا نحن العرب، عن أخلاق المجتمع وثوابته.

ويشير الباحث المصري أحمد صبرة في دارسة هامة له، إلى أن ثمّة نوعين من القراءة للعمل الأدبي، الأولى ما سمّاها بالقراءة الجمالية، والثانية هي القراءة “المؤدلجة”، فإذا تعارضت القراءتان في ذهن القارئ تقع المشكلة.

وعلى أي حال، فإن قضية “حدود الكتابة”، وما إذا كان من حق الروائي أو الشاعر أخذ لغته إلى المكشوف من القول والصريح العاري من الوصف، سوف تظل قائمة إلى وقت طويل، وذلك لسبب بسيط هو استمرار انقسام المجتمعات العربية إلى طبقتين ذهنيتين.

12