الحذر يدفع الحكومة المغربية إلى مراجعة قرار تعويم الدرهم

أكد اقتصاديون أن المخاوف من تراجع قيمة الدرهم المغربي وارتفاع أسعار السلع وتزايد عمليات المضاربة في السوق السوداء دفعت الرباط إلى التريّث ومراجعة قرار تعويم العملة المحلية، إضافة إلى محاولة توفير الشروط اللازمة لاحتواء التداعيات السلبية المحتملة على التوازنات المالية.
الاثنين 2017/07/10
اختبار الحفاظ على التوازن

الرباط - قال خبراء ومحللون مغاربة إن تأجيل الحكومة تحرير سعر صرف الدرهم يمثل فرصة للمسؤولين المشرفين على هذا الملف الحساس لوضع تصوّر شامل بشأن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لإنجاح تلك الخطوة الاستراتيجية.

ويرى أحمد الحليمي المندوب السامي للتخطيط، أن القرار يبقى مرتبطا في جوهره بإصلاحات أخرى تحظى بإجماع كل الجهات، بما فيها الأطراف السياسية، وليس الاقتصادية فقط.

وشدد الحليمي على أن مسألة تحرير العملة المحلية ليست بالسهلة، مؤكدا على أن المسؤولين مطالبين بمواصلة توفير الشروط اللازمة لتحسين أداء الاقتصاد المغربي، والاستمرار في التحكم في العجز الهيكلي الذي يعاني منه.

وأرجأ بنك المغرب المركزي الأسبوع الماضي، الإعلان عن المرحلة الأولى لتعويم الدرهم، ما أثار تساؤلات الأوساط الاقتصادية بشأن ذلك.

أحمد الحليمي: لا بد من تحسين أداء اقتصاد المغرب قبل الإقدام على خطوة تعويم الدرهم

وكان من المفترض البدء في تعويم الدرهم تدريجيا ابتداء من الشهر الماضي، بعد فترة قضتها مؤسسات الدولة وهي تعمل على تهيئة الأجواء المحلية للعملية والدفاع عنها.

ويقول بنك المغرب إن الخطوة مهمة لمواكبة الانفتاح على الاقتصاد العالمي، وتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد والمساهمة في تعزيزها وكذلك تخفيف الاختلالات والصدمات الخارجية، علاوة على الحد من الضغوط على احتياطات النقد الأجنبي وتجنّب أزمات الصرف.

وأوضح رئيس الحكومة سعدالدين العثماني أن التأجيل المفاجئ في الإعلان عن تعويم الدرهم يرجع إلى أن الحكومة تحتاج إلى المزيد من الدراسات بشأن الخطة، نافيا وجود مشكلات تعترض تنفيذ الخطوة.

ورغم أن قوة الاقتصاد المغربي لا سيما من حيث الصادرات ودعم الصناعة، كفيلة بتفادي أيّ تداعيات سلبية، إلا أن الخطوة تحتاج إلى دراسة أعمق للوضع على ما يبدو.

وأكد محمد ياوحي أستاذ الاقتصاد بجامعة ابن زهر لـ”العرب”، أن الاقتصاد المغربي غير مؤهل بعد لتعويم الدرهم كونه يعتمد على الواردات من مختلف السلع والخدمات كالوقود، بالإضافة الى استيراد الحبوب كلما شحّت التساقطات المطرية.

وأوضح أن الاستثمارات الأجنبية مبنية أساسا على عوامل أخرى منها فرص الربح ومناخ الاستثمار، ولا تتأثر بقيمة الدرهم مقارنة بالعملة الصعبة، لكنه شدد على أن تتعامل الحكومة بحكمة خاصة مع وجود تجارب فاشلة في الدول العربية مثل مصر والجزائر.

ومن الواضح أن الصادرات المغربية مثل الفوسفاط وصناعة تجميع السيارات وأجزاء الطائرات، وفق الخبير المغربي، لا تتأثر كثيرا بقيمة الدرهم ومرونة الطلب الخارجي، كما أنّ تحويلات المغاربة بالخارج لا تتأثر أيضا بتغيّرات سعر صرف الدرهم.

محمد ياوحي: على الحكومة التعامل بحكمة مع الخطوة في ظل وجود تجارب عربية فاشلة

ويقول ياوحي إن السوق المالي أعطى إشارات قوية إلى أن تحرير صرف الدرهم سيؤدي حتما إلى تدهور قيمته، وهذا يعاكس مصالح المغرب الاقتصادية، خاصة من حيث تضخم قيمة الواردات وارتفاع المديونية بشكل كبير، ما ينعكس سلبا على المستهلكين والمستثمرين المحليين.

وقبل الإعلان عن إرجاء تعويم الدرهم ارتفعت نسبة سعر صرف الدولار واليورو بنحو 10 بالمئة في البنوك، وبنحو 12 بالمئة في السوق السوداء، رغم التطمينات الرسمية التي أكدت أن نسبة ارتفاع أو انخفاض سعر الصرف لن تتعدى 2.5 بالمئة في الحالتين معا.

ويعتقد الحليمي أن أسباب التأجيل تعود إلى احتمال وجود تهديدات للمالية العامة، في ظل احتدام مضاربات التجار والوسطاء والمتحكّمين في السوق السوداء للصرف، التي فرضوها على السوقين الرسمية والموازية.

ويرتبط الدرهم المغربي إلى حد كبير باليورو، ولكن في خطوة نحو مرونة أكبر خفض بنك المغرب المركزي قيمة اليورو في سلة العملات الرئيسية إلى نحو 60 بالمئة من 80 بالمئة، في حين رفع قيمة الدولار إلى نحو 40 بالمئة من نحو 20 بالمئة في شهر أبريل الماضي.

ويرى محافظ بنك المغرب عبداللطيف الجواهري، أن المهم في تدابير تحرير سعر الصرف هو الاستقرار والأمن والتوازن الاقتصادي والثقة. وقال إن “الدول التي حررت عملاتها كانت في أزمة لهذا انخفض سعر عملاتها، أما المغرب فهو في وضع اقتصادي جيد”.

وفي ظل هذه المخاوف التي سبقت تحرير سعر صرف الدرهم، قامت العديد من البنوك المغربية خلال شهري مايو ويونيو الماضيين بعمليات شراء للعملات الأجنبية بلغت قيمتها 4 مليارات دولار.

واعتبر الجواهري تلك الممارسات غير مقبولة لأنها تمس بمصداقية بنك المغرب الذي التزم بضمان شفافية عملية التعويم، مؤكدا أنه طلب استفسارا حول العمليات التي قام بها البنوك لمعرفة تلك المتعلقة بالمضاربة عن طريق استباق التحرير وتوقع انخفاض قيمة الدرهم.

ويعتقد ياوحي أن مراقبة السوق المالية واحتكار العملة وتخزينها يحتاج إلى حزم أكبر من قبل السلطات، موضحا أنه من الأجدى تطوير الصناعة المحلية لمنافسة منتوجات الصناعة الأجنبية الأكثر جودة والأقل ثمنا في السوق.

10