الحذر يدفع المغرب للتريّث في استكمال تعويم الدرهم

المركزي المغربي يقرر الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير عند 1.5 في المئة للشهر الثاني عشر على التوالي في مسعى للتخفيف من تداعيات الجائحة على الاقتصاد.
الخميس 2021/06/24
اختبار مهم للحفاظ على التوازن

يؤكد خبراء مغاربة أن تأجيل السلطات النقدية استكمال خطوات تحرير سعر صرف الدرهم يمثل فرصة مهمة للمسؤولين المشرفين على هذا الملف الحساس لتقييم التجربة، التي كانت منذ بدايتها قبل ثلاث سنوات حذرة، لوضع تصوّر شامل بشأن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة لإنجاح تلك الخطوة الاستراتيجية.

الرباط- يدفع القلق من تراجع قيمة الدرهم المغربي في ظل ضبابية الوضع الاقتصادي إلى التريّث ومراجعة قرار استكمال خطط تعويم العملة المحلية من أجل توفير الشروط اللازمة لاحتواء التداعيات السلبية المحتملة على التوازنات المالية.

واتخذت السلطات النقدية قرارا بعدم الانتقال إلى مرحلة جديدة من تعويم الدرهم، بينما لا تزال الأنشطة التجارية والاستثمارية تعاني من انعكاسات الأزمة الناتجة عن جائحة كورونا، وعواقبها المستمرة رغم الجهود الحكومية المبذولة لاحتوائها.

وقال عبداللطيف الجواهري محافظ بنك المغرب (البنك المركزي) في ندوة صحافية الثلاثاء الماضي، “لن نمر إلى مرحلة أخرى حتى تتوفر الشروط الضرورية”. وأضاف “سنقرر متى سننتقل من مرحلة إلى أخرى وليس صندوق النقد الدولي”.

وشدّد عقب اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي على أن الرباط بدأت العمل على تحرير سعر الصرف وفق خارطة طريق واضحة دون توصيات أو إشراف أو ضغوط من صندوق النقد.

عبداللطيف الجوهري: لن نمر إلى المرحلة التالية حتى تتوفر الشروط الضرورية

وأوصى خبراء صندوق النقد في تقرير صدر في يناير 2019 السلطات المغربية بعدم التأخر في توسيع نطاق تحرير سعر صرف الدرهم.

وقال الصندوق حينها إن “توسيع نطاق تحرّك الدرهم ضروري بهدف حماية الاحتياطات النقدية الأجنبية، وجعل الاقتصاد المغربي في وضع أفضل، لاستيعاب الصدمات الخارجية المحتملة والحفاظ على القدرة التنافسية”.

وفي يوليو من العام نفسه، رحّب صندوق النقد ببداية تحول المغرب لمرونة أكبر في سعر الصرف، مما سيساعد الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، وحث الحكومة كذلك على الاستفادة من الفرص المتاحة لمواصلة تعويم العملة بطريقة متسلسلة ومتقنة.

ويشير الجواهري إلى أن عدم تدخل المركزي في سوق العملة منذ بدء خطة تحرير سعر صرف الدرهم، “معناه أن البنوك، والقطاع الخاص بدآ في امتلاك هذا التحرير الذي انخرطنا فيه”.

وقال “نحن نسير خطوة بخطوة، وعندما تتوفر الشروط سنقوم بما يلزم. ولا يمكن في هذه الأزمة وعواقبها أن نمر إلى مرحلة أخرى”. ولفت إلى أن المركزي يعمل بثبات مع البنوك المحلية، ومكتب الصرف على تحسيس المتدخلين، والفاعلين بتحرير سعر صرف الدرهم على المستوى المحلي والجهوي.

وبدأ المغرب في تعويم عمليته المحلية في يناير 2018، حين سمح لسعر صرف الدرهم بالتحرك بهامش 2.5 في المئة صعودا أو هبوطا أمام سلة من عملتي اليورو (بوزن 60 في المئة) والدولار الأميركي (بوزن 40 في المئة)، كمرحلة أولى للتعويم الكامل على مدى 10 سنوات.

وشرعت السلطات النقدية في تطبيق المرحلة الثانية من تحرير سعر صرف الدرهم في مارس العام الماضي، من خلال توسيع هامش التحرك إلى 5 في المئة صعودا أو هبوطا.

وأكد الخبير الاقتصادي إدريس الفينة أن تقييم التجربة الأولية لسياسة سعر الصرف الدرهم يظهر أنها كانت حذرة وحددت تحرك العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية وخاصة اليورو والدولار في هامش تغير صغير للتحكم في كل الانزلاقات المحتملة.

وأوضح الفينة في تصريح لـ”العرب”، أن المهم في هذه التجربة هو السماح للمصارف بأن تصبح فاعلا في مجال توفير السيولة من العملة الصعبة ومواجهة المخاطر المرتبطة بها وإيجاد سوق صرف مستقل ووضع الآليات الضرورية لتدبير العرض والطلب للعملات.

إدريس الفينة: تقييم التجربة الأوّلية لسياسة تعويم الدرهم يظهر أنها حذرة

وقرر المركزي المغربي الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير عند 1.5 في المئة للشهر الثاني عشر على التوالي، في مسعى للتخفيف من تداعيات الجائحة على الاقتصاد.

وتعتبر الحكومة أن إصلاح نظام سعر الصرف الغرض منه مواكبة انفتاح البلاد على الاقتصاد العالمي والتحولات الهيكلية للاقتصاد المحلي والحفاظ على قدرته التنافسية والمساهمة في تعزيزه والرفع من مستوى النمو ودعم سوق العمل.

وترى أن ذلك الإصلاح المهم سوف يعزز قدرات النظام المالي بشكل أكبر حتى يستطيع الصمود أمام الصدمات الخارجية والحد من الضغوط المحتملة على الاحتياطات النقدية لدى المركزي.

ويرجح المسؤولون عن السياسات النقدية في المغرب وصول الاحتياطات النقدية إلى 328.5 مليار درهم (37 مليار دولار) بنهاية العام الجاري على أن تصل في أواخر العام المقبل إلى نحو 38 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من 7 أشهر من واردات السلع والخدمات.

ويقول الجواهري إن هذه الأصول الاحتياطية الرسمية يتم تقييمها وفق مستوى الأصول الخارجية للبنك المركزي وتسجيلها أيضا كالتزامات طويلة الأجل، مما يسمح للبنك بتعزيز احتياطيات والتحكيم عليها مقابل العملات، بالإضافة إلى استخدامها لتمويل نفقاته.

ويعتقد الفينة أنه أصبح اليوم لزاما المرور للسرعة القصوى من أجل رفع فعالية الاقتصاد المغربي من خلال قيمة حقيقية للعملة المحلية.

وأشار إلى أن سعر صرف الدرهم في التعاملات اليومية لا يعكس قيمته الحقيقية، الأمر الذي ينعكس سلبا على تنافسية المنتجات المحلية ويخلق كلفة كبيرة لتثبيتها (دعمها الضمني) من خلال رفع مخزون العملات الأجنبية بشكل مصطنع عبر الاقتراض الخارجي.

السلطات النقدية اتخذت قرارا بعدم الانتقال إلى مرحلة جديدة من تعويم الدرهم، بينما لا تزال الأنشطة التجارية والاستثمارية تعاني من انعكاسات الأزمة الناتجة عن جائحة كورونا

وترى وزارة الاقتصاد أن الشروط الأساسية لإنجاح إصلاح نظام سعر الدرهم تتمثل في متانة الأسس الماكرو-اقتصادية وصلابة القطاع المالي وقدرته على مواجهة تقلبات أسعار الصرف.

وليس ذلك فحسب، بل يجب توفر سوق صرف متطورة نسبيا تتيح للفاعلين الأدوات الضرورية لتغطية المخاطر، بالإضافة إلى مصداقية السياسة النقدية والقدرة على التحكم في معدل التضخم.

وبحسب الفينة تحتاج الحكومة إلى اتباع نهج جديد في سياسة سعر الصرف بحيث تكون أكثر مرونة لكي تأخذ الواردات والصادرات قيمتها الحقيقية عبر قيمة حقيقية للدرهم تعكس الوضع الاقتصادي للبلاد وقدرته التنافسية الحقيقية، كما أن هذه السياسة من شأنها تحفيز الصادرات ودخول أكبر للاستثمارات الخارجية.

10