"الحراطين".. مكون موريتاني يقاوم استمرار عقلية الرق

منذ إقدام بعض الدول العربية على إصدار قوانين وتشريعات تجرّم الرق وتمنعه، تقلصت الممارسات التي تحيل على العبودية وساد اعتقاد واسع بأن زمن الرق ولى بلا رجعة. لكن الواقع الراهن، يفنّد تلك التصورات المتسرعة ويثبت أن تلاشي الاسترقاق، ممارسة وعقلية، ما زال غير متحقق بالشكل الكامل، وما مظاهرات “الحراطين” في موريتانيا إلا دليل على أنه ثمة من يحتج ضد موروث العبودية.
الاثنين 2015/05/04
"الحراطين" جزء لا يتجزأ من ثقافة المجتمع الموريتاني

نواكشوط - في موريتانيا ما زال العرب السمر المنتسبون لعائلات العبيد أو الأرقاء السابقين ينزلون إلى الشوارع في مظاهرات يطالبون فيها بالاعتراف بحق المساواة مع بقية فئات المجتمع رغم أن أول دستور في البلاد والذي وضع في عام 1961، حرم العبودية قانونيا. ودأب “الحراطين” على هذه الاحتجاجات منذ سنوات وفي كل المناسبات التي تقترن بقضايا حقوق الإنسان ويردد المتظاهرون شعارات تطالب بالحرية والعدالة والإنصاف.

وانطلقت المظاهرات لإحياء الذكرى الأولى لصدور “ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين” يوم 29 أبريل 2014. الذي يطالب بوضع حد للممارسات وسياسات التهميش والحرمان التي يعاني منها الأرقاء السابقون باعتبارهم ظلوا يعانون منذ حقب من ممارسات الرق والسخرة للعرب البيض، وأنهم عمليا يشعرون بأنهم عبيد ومحرومون من حقوقهم الأساسية.

يذكر أن موريتانيا عمدت إلى تجريم ممارسات الرق بالسجن إلى حد عشر سنوات وأقرت مع ذلك تعويضات للضحايا الذين تدمّر هذه السلوكات حياتهم وانخراطهم في المجتمع بشكل إيجابي غير أن العبودية ظلت ممارسة اجتماعية قديمة تأبى الاندثار. ويعانى العرب السمر منذ عقود من ارتباطهم بتقليد الممتلكات التي يتوارثها أبناء العائلات الميسورة عن آبائهم، حيث يصرون على عدم التفريط فيها مثل بقية الملكيات المنقولة.

والعبودية ممارسة قديمة في هذا المجتمع شأنه شأن أغلب مجتمعات غرب أفريقيا، حيث كانت تجارة الرقيق في أوج ازدهارها حتى وقت ليس بالبعيد. وفي بداية القرن العشرين تغيّرت هذه العادات والأفكار المبيحة لها بمفعول التأثر بالمعطيات الفكرية والسوسيولوجية التي أحدثها الاستعمار الفرنسي لموريتانيا وفي الثلاثينات بدأت علامات التحول تظهر من خلال تشكل المدن وإنشاء المدارس التي كان أبناء العبيد أول من ارتادها، ومن ثمة استقل بعض العبيد عن مالكيهم في ظل ما خلقته المدن من أجواء حملت بعض نفحات الحرية لفئة المستعبدين.

ونتيجة لذلك انخرط عدد من أبنائهم في التعليم ومارس الآباء المستقلون أو الفارون من أسيادهم بعض المهن الحرة والحرف اليدوية، فكان منهم المزارعون والحراس وعمال المنازل ونظرا إلى قلة ذات اليد ولأنهم حرموا من الملكية، انحسرت أنشطتهم في المهن الصغرى التي تجعلهم في تبعية مستمرة إلى مالكي مواطن الشغل وهو ما كرّس تواصل النظرة الدونية إليهم، فهم وإن لم يعودوا ملكا لأسيادهم إلا أنهم ظلوا عمالا وأجراء لدى ميسوري الحال.

ذاكرة العبيد السابقين الجماعية مليئة بمخلفات عهود الرق الطويلة والتي تجسدها أغانيهم المعروفة بالتغريبة

أما في المناطق البدوية والأماكن البعيدة عن العاصمة فقد تواصل استرقاق هؤلاء وظلت العبودية مستشرية في المناطق الداخلية في موريتانيا حتى بعد استقلاها بشكل ضمني ورغم ما أقره الدستور إلا أنها لم تمح من الموروث الشعبي وظلت تتناقلها الأجيال، وهو ما دفع مجموعات من العبيد إلى الهروب من المناطق الريفية ومن أسيادهم والالتحاق بالمدن الكبرى وبالعاصمة، حيث ظهرت تسمية “العبيد السابقين” أو “الحراطين”.

يشار إلى أن المجتمع الموريتاني ينقسم عرقيا إلى مجموعتين: عرب وزنوج. وتنقسم المجموعة العربية إلى عرب بيض (البيضان) وعرب سمر (الحراطين)، وتضم المجموعة الزنجية ثلاثة مكونات هي البولار والسونيكي والولف. وتقول قيادات سياسية من مجموعة “الحراطين”، إن تعدادهم يتجاوز 40 بالمئة من سكان موريتانيا.

وبما أن أبناءهم كانوا من أول رواد المدارس فقد برزت فئة من المتعلمين منهم في السنوات الأخيرة كانوا روادا للحركات المدافعة عن حقوق “الحراطين” وتشكلت بادئ الأمر نخبة شباب “الحراطين” التي كونت “حركة الحر” كمجموعة سرية، وضغطوا على المنظمات الحقوقية الدولية لاستصدار قانون ينص على تجريم الاسترقاق عام 1981، لكنه واقعيا لم يكتسب الصيغة التنفيذية التي تعيد لهم الاعتبار خاصة في الأوساط المحافظة وفي القبائل وفي الأوساط الشعبية عموما.

ثقافيا لا يختلف “الحراطين” عن بقية مكونات المجتمع الموريتاني، فهم يتكلمون اللغة العربية مثلها ولهم نفس العادات الاجتماعية وتقاليد اللباس والمأكولات، ونفس الفنون والآداب والموسيقى، وهم عرب مثلهم ولكنهم يبدعون أكثر في مجال الحرف والزراعة بما أنهم أكثر ممارسة لهذه الأنشطة، ويختلفون عن بقية الموريتانيين في ذاكرتهم الجماعية المليئة بمخلفات عهود الرق الطويلة والتي تجسدها أغانيهم المعروفة بالتغريبة، وطبعا بلون بشرتهم شديدة السمرة. كما انخرطوا في الحياة السياسية، حيث عين أول وزير حرطاني في تاريخ الدولة الموريتانية في العام 1986 وأصبح فيما بعد أبرز الساسة من “الحراطين” في موريتانيا.

تجدر الإشارة أن الرق يعدّ تقليدا تاريخيا في موريتانيا يأخذ بالأساس شكل الاستعباد الذي يكون فيه الرقيق البالغون وأطفالهم مملوكين لأسيادهم. ويقدر مؤشر الرق العالمي أن حوالي 150 ألف شخص أو 4 بالمئة من سكان موريتانيا ما زالوا عبيدا، وتصل هذه النسبة إلى حدود 20 بالمئة من السكّان، حسب تقديرات هيئات دولية أخرى. وهو ما يؤكد تجذّر وتواصل ممارسات العبودية داخل المجتمع الموريتاني.

12