الحراك الجزائري يعري مكنون التوزيع الجهوي والعرقي للسلطة

الانتفاضة الشعبية أطاحت بتحالف "التاءات" المستحوذ على النظام في البلاد.
الخميس 2019/05/16
الجزائريون صف واحد ضد بقايا النظام

يعد الانتماء العرقي والجغرافي ورقة في يد السلطة الجزائرية الحالية لتقويض مُطالبة المحتجين المصريين بتغيير جذري لا مكان فيه لرموز الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، أمام مخاوف من انتهاج سياسة التمييز في توزيع مناصب صنع القرار بهدف تهميش الأصوات المعارضة.

الجزائر- يعتبر إنهاء مرحلة الممارسات الجهوية والاثنية في السلطة، أكبر التحديات التي تواجه الحراك الجزائري، من أجل تغيير الذهنيات التي كانت توزع مناصب المسؤولية في مؤسسات الدولة، وفق معايير الولاء السياسي والانتماء العرقي والجغرافي.

استطاع الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة أن يكسر قاعدة معايير الانتماء الجغرافي في 1999، لمّا استقدمه العسكر لقيادة البلاد، لإنقاذ المؤسسة وإنقاذ البلاد من تراكمات العشرية الدموية، ليكون بذلك أول رئيس جزائري من غرب البلاد، بعدما ظل المنصب حكرا على منطقة الشرق، إذا لم تحتسب الحقبة القصيرة للرئيس الأول أحمد بن بلة (1962 - 1965).

ومع ذلك حافظ بوتفليقة على تقاليد النظام السياسي الجزائري، في اعتماد معايير الجهوية والعرقية في التأسيس لنظامه الجديد، ففي سنوات قليلة خلق توازنا بشريا كرس زحفا تلمسانيا (مسقط رأسه)، على مفاصل الدولة في الحكومة والمؤسسات وأجهزة الجيش والأمن، في خطوة تراوحت بين رد الاعتبار، وبين الانتقام لما كان يراه إقصاء للمنطقة الجغرافية التي ينحدر منها.

سياسة تمييز وإقصاء

بقدر ما كانت تلك الممارسات تندرج في خانة المسكوت عنه، اتقاء لشبهات إثارة الفتن الاجتماعية، سمحت ثلاثة أشهر من عمر الحراك الشعبي بأن تبرز مخزونات اثنية وعرقية بين عدة جهات من البلاد.

وإذا كانت الرايات الأمازيغية حاضرة بقوة في مختلف المسيرات الشعبية والوقفات الاحتجاجية الضخمة، فإن ظهور رايات أخرى تنسب إلى عرب أولاد نايل أثار تشنجا كبيرا بين المتعصبين في المعسكرين، وتحولت المؤسسة العسكرية والخيانة التاريخية للاستعمار الفرنسي، إلى ورقة مزايدة وسجال محتدم على شبكات التواصل الاجتماعي.

ولولا دعوات الحراك الشعبي لتجاوز التنوع العرقي والثقافي، وحضه على الوحدة والتماسك الاجتماعي، والاصطفاف المتين لتغيير النظام السياسي، لسارت الأوضاع إلى الانزلاق في عدد من مناطق البلاد، بسبب موجة المتطرفين في المعسكرين. وأسست أشهر الحراك الجزائري لمعالم دولة تتجاوز ممارسات النظام المتوارث عبر أجيال الشرعية الثورية، واحتواء المطبات التي كان النظام يختلقها للتفرقة والصراع بين مكونات الشعب الواحد، خاصة ما كان يعرف بـ”الأمازيغ والعرب”، لاسيما وأن الانتفاضة الشعبية ضد نظام بوتفليقة كشفت عن تحالفات في مختلف المستويات والمراكز للحفاظ على مصالح الجماعات الضاغطة التي كانت تستحوذ على مقدرات وممتلكات الشعب، بغض النظر عن الانتماءات العرقية والجغرافية.

السلطات المتعاقبة راهنت كثيرا على ورقة الجهوية والانتماء، وها هي اليوم تلعب نفس الورقة بشكل غير مسبوق لإجهاض الحراك الشعبي

وكشفت انتفاضة الشارع الجزائري عن حقائق خطيرة تتعلق بالتركيبة الجهوية والاثنية في المجتمع، ومهما كانت مفتعلة من طرف دوائر السلطة، فإنها تخفي وراءها ثقافة سلطوية كانت توزع أتباع النظام على مناطق وجهات معينة لتحقيق التوازن بين أجنحته، على حساب عموم الشعب.

وكرس نظام بوتفليقة طابعا جهويا عرقيا، على تركيبة السلطة التي قادها لعقدين من الزمن، حيث تكشف إحصائيات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي أن عشرات الوزراء والمسؤولين الكبار في مؤسسات الدولة ينحدرون من بلدة ندرومة وضواحيها في محافظة تلمسان الحدودية، وهي البلدة التي ينحدر منها أجداده وأصوله.

ولم يستثن الأمر المؤسسات الأمنية والعسكرية، التي أعاد هيكلتها بشكل يضمن الولاء لنظامه، ويرقّي أبناء منطقته، حيث صار تواجد هؤلاء لافتا في الجيش وأجهزة الاستخبارات والأمن والدرك، وفتح المجال لجيل يتشكل من عشرات الضباط السامين، وعلى رأسهم نحو عشرين جنرالا، في إطار مخطط يعيد التوازن وحتى التفوق البشري لغرب البلاد في مفاصل الدولة، بعدما ظلت محتكرة من ناحية الشرق لاعتبارات تاريخية وسياسية واجتماعية. يجمع مؤرخون في الجزائر على أن معيار الانتماء الجهوي والاثني في استغلال مناصب السلطة، يستمد جذوره من أزمة الهوية في الشخصية الجزائرية التي تفجرت في نهاية أربعينات القرن الماضي، بين مناضلين في منطقة القبائل (وسط البلاد)، وبين زعيم الحركة الوطنية آنذاك مصالي الحاج، بعدما تجاوز المكون البربري في الهوية الوطنية، في رسالته الشهيرة لهيئة الأمم المتحدة، لما خاطبها باسم الشعب العربي الجزائري.

توظيف أزمة الهوية

Thumbnail

يرى الباحث والمؤرخ محمد أرزقي فراد، بأنه لما كانت الأولوية لتحصيل الاستقلال الوطني من الاستعمار الفرنسي، فقد تمت إحالة مسألة الهوية الوطنية على الهامش، في انتظار الفصل فيها من طرف سلطة الاستقلال، لكن طبيعة السلطة التي حكمت البلاد منذ العام 1962 حولت المسألة إلى صراع ثقافي وأيديولوجي وسياسي بين المكونين الأمازيغي والعربي، بإيعاز من الأنظمة المتعاقبة.

ويؤكد ناشطون في الحراك الشعبي أن التغيير الجذري المأمول هو الكفيل بتبديد معتقدات اجتماعية ترسخت على مر العقود، وسيسمح إرساء الديمقراطية والتداول على السلطة والاحتكام إلى إرادة الصندوق الانتخابي الشفاف والنزيه، بانتخاب القيادة السياسية والمؤسسات بعيدا عن الانتماءات الجهوية والاثنية، أو توزيعها وفق منطق التوازن بين القوى النافذة.

ويؤكد هؤلاء على أن السلطات المتعاقبة راهنت كثيرا على ورقة الجهوية والانتماء وخلق الخصومات الهامشية بين أفراد الشعب الواحد، وها هي الآن تلعب نفس الورقة بشكل غير مسبوق لإجهاض الحراك الشعبي وتفريق صفوف الجزائريين، الذين أدركوا أن مشكلتهم ليست في التنوع والاختلاف اللغوي والثقافي والحضاري، بقدر ما هي مع النظام السياسي الذي
يغتصب السلطة منذ مطلع الاستقلال الوطني.

Thumbnail

وأعرب متداولون على منصة “ركن الخطباء” الذي استحدثه الناشط السياسي والمناضل الحقوقي الياس فيلالي، عن أن الحراك الشعبي يؤسس لطريق يكرس الديمقراطية وحقوق الإنسان والتداول على السلطة، واحترام إرادة الشعب، ولا تهمه هوية أو انتماء رئيس البلاد أو أي من المسؤولين في مؤسسات الدولة. ظلت مسألة الامتدادات السوسيولوجية لأزمة الهوية مسكوتا عنها، رغم ما صنعته من حواجز نفسية واجتماعية لدى مكونات المجتمع، حيث كثيرا ما لجأت السلطة إلى تقريب وجوه معزولة من مناطق معينة لمحيطها، بغية إسكات غضب السكان، حيث عمد نظام بوتفليقة في السنوات الأخيرة إلى تكريس منصب رئاسة البرلمان لمنطقة الشرق، أو استقدام وزراء ومسؤولين ببشرة سمراء لاحتواء غضب السكان.

ومع ذلك بقي التوزيع الجهوي للسلطة في البلاد مصدر غضب واستياء كبير لدى المكونات غير المحظوظة، فمناصب في الحكومة أو قيادة المؤسسة البرلمانية حيلة لم تعد تنطلي على فئات المجتمع في شرق البلاد أو جنوبها، لأن ولاء هؤلاء غالبا ما يكون لرجالات وأجنحة السلطة أكثر مما يكون لسكان تلك المناطق، وهو ما تجلى في تمرد الشارع الصحراوي خلال السنوات الماضية ضد السلطة وضد عائلات ورموز النبلاء الذين قربتهم السلطة إليها للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في المناطق الجنوبية.

وتفضي معاينة الانتماءات الاجتماعية والجهوية لتركيبة المؤسسات القوية في الدولة، إلى سيطرة محافظات المكون “الشاوي” (أمازيغ الشرق) على المنظومة البشرية للجيش لاعتبارات اجتماعية وتاريخية، في حين يهيمن أمازيغ الوسط (القبائل) على المنظومة المالية والإدارية والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، حيث تلعب ورقة الانتماء دورها في تقسيم غير معلن للمكونات الاجتماعية والعرقية في مفاصل الدولة.

المناصب حسب الانتماءات

Thumbnail

طرح متابعون مصطلح “التاءات” كمفرد يختزل التوزيع الجهوي والعرقي للسلطة في الجزائر، ويحمل المصطلح الحرف الأول من منطقة تلمسان التي تنحدر منها أركان نظام بوتفليقة، والحرف الأول من منطقة تيزي وزو الأمازيغية، التي ينحدر منها رجال المال والأعمال على غرار يسعد ربراب، وعلي حداد، ومحي الدين طحكوت، بثروة
تقدر بنحو عشرة مليارات دولار، لهؤلاء فقط.

وجرى الحديث حينها عن تحالف بين نظام بوتفليقة ومال البربر للاستحواذ على مفاصل النظام، قبل أن يندلع الحراك الشعبي في فبراير الماضي ويخلط أوراق السلطة، بعدما كانت قائمة في عقود ماضية بشكل أقل توازنا بين الشاوية (أمازيغ الشرق) الذين كانوا يهيمنون على السلطة والجيش (الرئاسة والحكومة وقيادة الأركان)، وبين أمازيغ القبائل عبر لوبيات مالية وإدارية وإعلامية، في حين كانت منطقة الغرب مغيبة تماما عن مراكز القرار.