الحراك الشيعي السياسي في تونس من خلال نموذجين حزبيين

تفاعلت العديد من العوامل الداخلية (الذاتية والموضوعية) والخارجية لتسهم في انتشار المذهب الشيعي بتونس، ومن ذلك تأثير الثورة الإيرانية على ما كان يعرف في تونس بالجماعة الإسلامية (الاتجاه الإسلامي لاحقا ثم النهضة)، وتبنت حركة الاتجاه الإسلامي البعض من شعارات تلك الثورة ومبادئها، كما لا يمكن إغفال دور الطلبة العائدين من المشرق العربي الذين درسوا في الحوزات العلمية، وتحديدا العراق، فحرصوا على نشر هذا المذهب في محيطهم الاجتماعي، ويأتي دور الفضائيات الشيعية، بالإضافة إلى المواقع الشيعية على شبكة الإنترنت والكتب والموسوعات الإلكترونية. وللنشاطات التي يقوم بها المركز الثقافي الإيراني دور كبير في نشر التشيع كذلك؛ من ذلك توفير الكتب والجرائد والمجلات، بالإضافة إلى شرائط الفيديو التي تصل من إيران، ويقوم بعض الأشخاص بتوزيعها. ويعود تشيّع العديد من التونسيين -حسب مؤسس “الرابطة التونسية لمناهضة المد الشيعي” بتونس- إلى أمور ذاتية، من ذلك “أن يتحقق لهم مطلبهم في زواج المتعة، وغيره من المطالب، بالإضافة إلى تحقيق الربح المالي من الأطراف التي تموّلهم ماديا”.
الجمعة 2016/08/12
نموذج يطمح بعض متشيعي تونس لاستيراده

تونس - لم يمارس الشيعة في تونس أي نوع من النشاط السياسي قبل الثورة، ولم يتخذوا مواقف سياسية علنية مما جرى ويجري زمن الاستبداد السياسي. لذلك من الصعب رصد مواقفهم وآرائهم وتتبعها، إزاء القضايا الوطنية خلال تلك الفترة. أما بعد الثورة، فتبدو مواقف الشيعة في تونس من ممارسة النشاط السياسي والحزبي متناقضة؛ ففي الوقت الذي ينفي البعض منهم رغبة الشيعة في تأسيس حزب سياسي، واعتبار أن “ما يريدونه -فقط- هو الحرية لهم ولغيرهم”، يؤكد طرف آخر أنه “فيما إذا قرروا تأسيس حزب سياسي، فسيكون حزبهم من دون عناوين طائفية”.

ويؤكد طرف ثالث أن الشيعة في تونس “ناشطون في جل الأحزاب الوطنية من كل الألوان والاتجاهات من نداء تونس والنهضة إلى الجبهة الشعبية وغيرها من الأحزاب”.

وفي موازاة كل ذلك برز حزبان سياسيان يستندان إلى مرجعية شيعية وهما: “حزب الله” و”حزب الوحدة”، ولم يتحصّل الحزب الأول على التأشيرة القانونية، في حين تحصل الثاني عليها.

حزب الله تونس: أسسه في أكتوبر 2011 سيف الدين العجيلي، ويستند الحزب في أدبياته “ومراجعه الفقهية على مراجع لفقهاء من المذهب الشيعي” كما يقول مؤسسه.

ويأتي اختيار اسم حزب الله إلى عاملين، يتمثل الأول في “ذكر حزب الله في القرآن، الذي يحارب أحزاب الكفر” أما العامل الثاني فيتمثّل في “التيمن بحزب الله اللبناني”، حيث اتصل المؤسس بقيادته -كما يقول- وتناقش معها.

حزب الوحدة: تأسس أواخر شهر يناير 2013، ويوصف بأنه حزب ذو مرجعية شيعية دون أن يفصح عن ذلك، بالرغم من تطابق مواقفه السياسية مع مواقف دولة إيران، وبالرغم من قيادته التي تنتمي إلى المذهب الشيعي، الأمر الذي يدفع بعض الملاحظين إلى تأكيد “شيعية” هذا الحزب. ويتمثل هدف الحزب في “إقامة دولة الحق والعدل استنادا إلى قاعدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبرامجه الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية منبثقة من كتاب الله وسنة رسوله، ومنهجه في حمل الناس على تبني هذه البرامج هو منهج الإقناع لا غير”.

الشيعة في تونس ناشطون في جل الأحزاب، من نداء تونس والنهضة إلى الجبهة الشعبية وغيرها من الأحزاب

ولا يدعو الحزب -كما تقول أدبياته- إلى مذهب ما أو طائفة، فهو يأخذ من الثّوابت في هذا الدين والمتفق عليها عند الجميع، ويجعلها قاعدة يتحرك على أساسها، حتى يتجنب كل ما يثير الطائفيات والمذهبيات، لذلك فهو يقدم مشروعا لا يمكن أن يختلف فيه المسلمون في مجملهم.

يرى حزب الوحدة أن الإسلام لا يمكن أن يختزل في مذهب أو رأي فقهي بعينه، لذلك طالب بضرورة تطبيق النص على مبدأ حرية المعتقد وتأكيده، وممارسة الشعائر الدينية وفق ما تمليه الآية الكريمة “لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ”. كما طالب بـضرورة حياد المؤسسة الدينية الرسمية الممثلة في وزارة الشؤون الدينية، ووقوفها على مسافة واحدة من جميع المذاهب والآراء الإسلامية، وأن يتم التنصيص على ذلك في الدستور.

ويؤكد أن “إذكاء الفتنة الطائفية مخطط استعماري صهيوني يراد من ورائه إيقاع أبناء الأمة في صراعات دموية، عكس ما أمر به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وسلم)”. لذلك يطالب الحزب بتجريم تكفير كل من يشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله.

يعارض الحزب الدستور التونسي، بل يرفضه شكلا ومضمونا “ما دام لم يعبر بوضوح وصراحة عن هوية هذا الشعب، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد والأساسي للتشريع، فإننا لن نقبل به”. كما يدعو إلى تغييره ضمن الأطر القانونية؛ اعتقادا منه بأنه “لا يحظى بالقبول الشعبي، ولا يستجيب لهوية الشعب التي نص عليها الفصل الأول من الدستور، ولم يعرض هذا الدستور على الاستفتاء العام، وإنما داهمته آجال التسليم فختم كيفما كان”.

وعلى الرغم من ذلك شارك الحزب في أول انتخابات تشريعية في ثلاث دوائر ولم يتحصل على أيّ مقعد. يعتبر هذا الحزب أن حركة النهضة ذات الأصول الإخوانية قد “وقعت في الفخ الأميركي وفي مشروع الاستكبار العالمي”.

أما حزب نداء تونس فيصفه بـ”نداء التجمع” ويعتبره امتدادا للحزب الحاكم المنحلّ الذي هو “امتداد لبورقيبة وللاستعمار الغربي”.

واعتبر الحزب أن ما يعرف بالربيع العربي ما هو إلا “مؤامرة تحاك، للالتفاف على الانتفاضة الشعبية التي أسقطت الأنظمة البائدة؛ ونشر الفوضى في العالمين العربي والإسلامي، عبر تقسيم الأمة طائفيا وعرقيا، بعد أن نجحت قوى الاستكبار العالمي في تجزئتها جغرافيا إبان الربيع العربي الأول، الذي أودى بالدولة العثمانية”.

خلاصة من بحث: عبداللطيف الحناشي “الوجود الشيعي في تونس محاولة لفك الغموض”، ضمن الكتاب عدد 115 الصادر في يوليو 2016، بعنوان ”الشرطة الدينية الجزء الثاني”، عن مركز المسبار للدراسات والبحوث بدبي.

13