الحرب الأهلية اللبنانية تلقي بظلالها على بوكر 2016

الجمعة 2016/01/29

تعددت الرؤى التي يتناول بها الأدباء العرب قصص الحرب في أعمالهم، وتدرجت كثيرا عبر عشرات السنين من الكتابة، فبعد أن كانت الأحداث تدور في الرواية الحربية حول البطل الملتزم صاحب الأخلاق المثالية الذي يدعو إلى حب الوطن والتضحية في سبيل الدفاع عنه، ذلك البطل الإيجابي الثوري أو البطل المحبط سياسيا واجتماعيا فتدعوه الظروف إلى الهروب والانغماس في بوتقة الحرب، وبيان التغيرات النفسية التي تعكسها أحداث المعارك على شخصيته للوصول إلى رؤية جديدة للحياة. أصبحت الكتابة عنها تلتقط معاناة الشعوب وترصد تجاربها من إحباطات وأفراح وانكسار ونهوض، وكل المشاعر الإنسانية المتضاربة.

وساعد على اختلاف طريقة تناول صورة البطل في الحرب أن حروبا استحدثت في العالم العربي جاءت بعد مرحلة طويلة من المدّ القومي والشعور بالذات وتضخيمها، وهي الحروب الأهلية، ومن أبرزها الحرب اللبنانية في ثمانينات القرن العشرين، والتي ألقت بظلالها من جديد على الكتابة الروائية الحديثة، ولكن تناولتها بأكثر جرأة من تلك التي تناولتها بالرؤى الروائية المعروفة عن الحرب، فأبطالها غير الأبطال الذين تعودنا القراءة عنهم، مما يجعلها من الأعمال التي يجب قراءتها بعناية وهدوء، وربما نجد بعد سنوات قليلة أعمالا مشابهة تتناول مأساة الحرب في سوريا عبر إبراز معانيها الإنسانية دون التركيز على بطولة فرد أو جماعة.

وقد وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2016 روايتان من أدب الحرب، اشتركتا في الحديث عن الحرب الأهلية اللبنانية، الأولى “حارس الموتى” للكاتب اللبناني جورج يرق، وفيها يترك شريدها حياة الشارع ليحمل السلاح وينصهر في بوتقة المعارك، فيعرف القتل والدم، ويعرف معنى فقدان أقرب الأصدقاء، فيقرر ترك السلاح والعودة إلى حياة التشرد، ثم العمل في إحدى ثلاجات الموتى، يتأمل الجثث ويعيش معها يأنس بها، ويراقب تحولاتها، إلى أن يتم ّخطفه من مجهول، فيبدأ في التساؤل عمّا فعله ليستحق الخطف، فتتفجر في سطور الرواية كل المعاني الإنسانية التي أفرزتها حياة الحرب في لبنان.

أما رواية “وارسو قبل قليل” للكاتب اللبناني الواعد أحمد محسن فتقفز بنا من عمق التاريخ إلى الحاضر برشاقة، وهي أيضا ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر، ويهجر فيها يهودي تائه مدينة وارسو هاربا من حقد النازية في بولندا رافضا أن يلبي دعوات الهجرة إلى فلسطين فيختار السكن في بيروت، حيث ينشئ عائلة لم يبق منها إلا حفيده الوحيد “جوزيف”، الذي ستعزف أنامله مجددا، على أرض أخرى وفي زمن آخر، لحن الموت. وكما يصفها صاحبها هي رواية عن بطل في زمن تشوهت فيه معاني البطولة، وعن حفيد ورث روح العازف ورقة الضحية، فتمزق بين وطنين وهويتين وأكثر من امرأتين. جوزيف ورث كل أسئلة الهوية عن جدّه؛ ورث عنه التيه، كما ورثته بيروت عن وارسو.

ناقد من مصر

14