الحرب الباردة لا تستطيع أن تعود

الخميس 2014/03/06

على مدى عقود طويلة ظلت الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي سابقاً، يشكلان حالة متفردة في الصراع العالمي من خلال التصريحات، وسباق التسلح الذي لم ينتج حرباً، لكنه خلّف منظومة من الأسلحة كفيلة بتحويل العالم بأسره إلى كتلة نارية مشتعلة، لكن ذلك كله توقف مع تفكك الإمبراطورية السوفيتية، وعزوف وريثتها روسيا، عن الانشغال بالقضايا العالمية، وانكفائها لسنوات على ذاتها، في محاولة منها لإعادة اكتشاف مكوناتها السياسية والاقتصادية الكفيلة بنهوضها مرة أخرى كقوة عالمية لا يستهان بها، فيما انغمست الولايات المتحدة في بناء منظومتها الخارجية وانشغلت في مخططها بتصدير شكلها العالمي بعد أن صارت القطب الأوحد، إلا أن ظهور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الضابط السابق في جهاز الكي جي بي، بعد تمكنه من إزاحة سلفه بوريس يلتسين، ثم عمله لاستعادة الدور الإمبراطوري لروسيا، ثم لعبته بالتناوب على كرسي الرئاسة مع سكرتيره السابق ميدفيدف.

كل هذه العوامل أعادت روسيا إلى الواجهة من خلال سعيها إلى تكرار السياسة السوفيتية القائمة على تصوير الغرب برئاسة الولايات المتحدة على أنه منظومة استعمارية رأسمالية، والإيحاء بأن روسيا تمثل نصير المستضعفين عالميا، وقد نجح السيناريو الروسي كثيرا في إعادة بناء تحالفات مع من يمكن اعتبارهم “حالمي” الاقتصاد الجدد، والطامحين إلى خلافة الإمبراطورية الأميركية التي تعاني من ديون ثقيلة ترهق كاهلها، وقد ساهمت حروبها المتواصلة في ازدياد كراهيتها العالمية.

استفادت روسيا من كل هذا لتجيره لمصلحتها وتبدأ بالعودة تدريجيا إلى واجهة الأحداث، ومع بدء الاستعدادات لتوجيه ضربة عسكرية لنظام القذافي يقوم بها حلف الناتو، دفعت موسكو بكل ثقلها لتعارض التدخل العسكري، دون أن تقدم مبررا واحدا لمعارضتها سوى مبدأ خالف تعرف، الذي أهلها في مرحلة لاحقة للوقوف بضراوة في مجلس الأمن الدولي لدعم نظام الأسد في حربه ضد الشعب السوري، ولترفع يدها بالفيتو ثلاث مرات متتالية لتعارض أية محاولة لتمرير قرار لا بتدخل عسكري، ولكن حتى بإدانة شفهية أو مكتوبة، وقد أدى هذا الموقف الروسي المدعوم شكليا بموقف صيني متحفظ، إلى منح النظام السوري ضمانات سمحت له بالتمادي في قمع الثورة الشعبية وصولا إلى استخدام السلاح الكيميائي خلال شهر أغسطس من العام المنصرم، والذي ساعد روسيا في تحويل الإدانة الدولية له إلى تمديد إضافي كسب من خلاله النظام وقتا إضافيا في لعبة الكيميائي التي لم تنته حتى يومنا هذا.

وقد استطاعت موسكو فيما بعد لعب دور في دفع النظام لحضور جلسات مؤتمر جنيف 2، لكن دون أن تؤدي تلك الجلسات، إلى أي حل، سوى مزيد من التسويف والمماطلة، وقد ظل الروسي والأميركي يتبادلان اتهامات مبطنة وصريحة أحيانا في ما يخص الشأن السوري، لكن لقاءاتهما لم تكن تخلو من الابتسامات، وتبادل الأنخاب في مناسبات عديدة.

ولكن الحدث الأوكراني المفاجئ، وربما المعد له سلفا، غير المعادلة تماما وتغيرت اللهجة بين واشنطن وموسكو، وارتفعت حدتها إلى درجة “التوقع“ غير الموفق من البعض أن المنطقة على أعتاب حرب بين القطبين العالميين، سوف لن تكتفي بالحدود الجغرافية الضيقة وستمتد طوليا وعرضيا، لتتحول إلى حرب عالمية طاحنة، وهذا الأمر تحديدا لم يخطر في بال مقرري السياسة في كلا البلدين، إذ لا يمكن أن تقود المجازفة “البوتينية” في دعم الرئيس الأوكراني بمواجهة ثورة شعبية مدعومة من قبل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة طبعاً، ولا المغامرة الأميركية في الانحياز كليا ضد الموقف الروسي، لا يمكن أن تقود هذه المعادلة إلى اشتعال فتيل صراع، لكنها في أحسن الحالات قد تدفع باتجاه تصعيد كلامي، وكل ذلك تستطيع روسيا امتصاصه كما امتصت من قبل الانتقادات العالمية لموقفها في دعم النظام السوري، ولعل رخاوة الإدارة الأميركية لا يمكنها الصمود في مواجهة الموقف الروسي العنيد، وقد بدأت فعليا وسائل الإعلام الأميركية بالسخرية من الرئيس أوباما، ورسمت له بعض الخطوط الحمراء، إشارة إلى تحذيراته الكثيرة التي أطلقها في ما يخص الشأن السوري.

وفي المقابل فإن أيا من توقعات عودة الحرب الباردة التي سيطرت على شكل العالم لعقود طويلة هي توقعات تصطدم بعدم الرغبة الأميركية، وعدم القدرة على الانخراط في مسائل ذات نفس طويل، وهي التي تسعى إلى التخلص من الملفات العالقة التي ترهق كاهلها، وقد أثرت في صورتها العالمية، وأظهرتها بمظهر العاجز أمام العناد الروسي، أوكرانيا مقابل سوريا، قد تكون المعادلة مقبولة بهذا الشكل، وقد تتدحرج الأحداث بشكل دراماتيكي لتوصل الأمور إلى هذه النقطة تماما، وما علينا سوى الانتظار.


كاتب سوري

9