الحرب الخفية العنيفة والباردة بين غوغل وفيسبوك

الأحد 2016/01/17
صراع يتسبب بمعاناة المستخدمين يخفي خلفه تنافسا شرسا

دبي - تعمّد فيسبوك إحداث أخطاء تشغيلية في تطبيقه على الهواتف النقالة الذكية والحواسيب اللوحية التي تعمل على نظام تشغيل أندرويد الذي تطوره شركة غوغل، وذلك على مرّ أسابيع بغية اختبار ولاء مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي هذه.

جاء ذلك في عدد من التقارير كان أبرزها الذي نشره موقع “ذى إنفورميشن” المعني بإعداد تقارير دقيقة في مجال التقنية، وطرح مواضيع يصعب على القارئ غير المتعمق بلوغها، كالمجيء بأخبار من عمق كبرى الشركات مثل أبل وغوغل وفيسبوك.

أخطاء مقصودة

كان فيسبوك قد تسبّب بالأخطاء التي واجهتها شريحة من المستخدمين حول العالم على مرّ أسابيع، لمراقبة مدى رغبتهم في الولوج وتصفّح فيسبوك، بالرغم من وجود هذه الاخطاء. لتحصي أعداد الذين بقوا يستخدمون التطبيق على منصة أندرويد في ظل تلك المشاكل التي تعيق التصفح، وتجاهلهم لهذا الإزعاج. إضافة إلى الذين هجروا التطبيق إلى متصفحات الإنترنت البطيئة، على تلك الأجهزة (مقارنة بالتطبيق)، أو إلى أجهزة تعمل على منصات وأنظمة تشغيل أخرى لم يعتادوا عليها.

يُعتبر أندرويد من روّاد أنظمة التشغيل المجانية ومفتوحة المصدر التي يعمل عليها طيف واسع من أجهز الهواتف الذكية والحواسيب اللوحية (التابلت) والتلفاز والساعات الذكية وغيرها من الأجهزة ذات الاستخدام المخصص.

وتسمح منصّة أندرويد للمبرمجين والمطورين بالعمل عليها بمنتهى الحرية. بحيث يمكن إنتاج برمجيات وتطبيقات تفيد العديد من الأغراض. وقد تم تأسيس النظام في العام 2003 من قبل فريق من المطورين. لتشتريه غوغل في العام 2005، وتُطلق في عام 2008 متجرها الإلكتروني “غوغل بلاي ستور” أو “أندرويد ماركت”. ويُعرف اليوم باسم “غوغل بلاي”، ليحوي التطبيقات والبرامج المجانية والمدفوعة التي تعمل على هذا النظام، والتي بلغ عددها حتى نوفمبر الماضي 1.800.000 تطبيق. ويُعتبر تطبيق فيسبوك من أكثر التطبيقات تحميلاً من غوغل بلاي، حيث يبلغ عدد الأجهزة التي تستخدمه اليوم ما يربو على 35 مليون جهاز.

ولاء مستخدمي فيسبوك يعد سلاحه الأهم في حربه مع غوغل فهناك أخطاء تشغيلية تعمدها فيسبوك لاختبار ولاء المستخدمين في ظل الحرب القائمة التي لا يشعر بها أحد ويشعر بها الجميع

شبكات ومستخدمون

ليس من الغريب ملاحظة ملامح حرب باردة تدور بين غوغل وفيسبوك، حيث أطلقت غوغل شبكة تواصل اجتماعي باسم غوغل بلس في العام 2011 لتكون رابع محاولة منها لدخول عالم شبكات التواصل الاجتماعي بعد أوركوت في 2004 وغوغل فريند كونّكت في 2008 وغوغل بَز في 2010، بعد أن طوت صفحاتها واكتفت بوضع شريط أسود في زاوية لوحة كل منها معلنةً وفاتها.

اليوم بلغ عدد مستخدمي غوغل بلس 540 مليون مستخدم فاعل شهرياً حتى العام 2015، أمام أكثر من 1.4 مليار مستخدم على فيسبوك. أرقامٌ تُشير إلى حجم الهوة بين منافسين يتصارعان على شراء تطبيقات وبرامج وشبكات ناشئة، بهدف زيادة قطاعات خدماتها للمستخدمين وتقديم ما يميّز أحدهم عن الآخر، لعله يستميل بها قلب المستخدم.

لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فمجرد إزالة غوغل لتطبيق فيسبوك من متجره غوغل بلاي، سيكون نفخاً في بوق نفير الحرب الحامية. لتنعكس سلباً على فيسبوك الذي قد يخسر عدداً هائلاً من المستخدمين الذين سيواجهون المصاعب للوصول إلى تطبيق فيسبوك في حال حصولهم على أجهزة جديدة، أو إن احتاجوا إلى تحديث التطبيق على جهازهم الحالي، إذ يحتاج التطبيق إلى التحديث الدوري ليتماشى مع التحديثات والاصلاحات وسد الثغرات وغيرها من التغييرات التي تطرأ على موقع فيسبوك بشكل دائم.

الجدير بالذكر أنه قد سبق وأن تم تهديد فيسبوك بإزالة تطبيقه من غوغل بلاي، وذلك لأن فيسبوك لا يتّبع قوانين غوغل في بعض الأحيان. وليس بالضرورة أن يكون هذا تمرداً من فيسبوك، فقد يكون ضيقاً من غوغل بلاي، وربما كلا الأمران معاً، مما يجعل احتمال نشوب حريق الحرب كبيراً.

خطط جنرالات فيسبوك

زرع الأخطاء التقنية في التطبيق لم يكن سوى البداية. شريحةٌ من المستخدمين الذين لجأوا إلى متصفح الإنترنت، تَلقّوا رابط تحميل تطبيق فيسبوك الذي يعمل بكفاءة (دون الأخطاء المزروعة في نسخة غوغل بلاي) بشكل مباشر من مُخدّمات فيسبوك وليس من مخدّمات غوغل بلاي. وقد لاقى الأمر تفاعلاً كبيراً ليُسجّل مؤشراً مهماً لمقدرة تطبيق فيسبوك على الاستقلال عن غوغل بلاي وقوانينه مستقبلا.

تطبيق فيسبوك يعتبر من أكثر التطبيقات تحميلا من غوغل بلاي حيث يبلغ عدد الأجهزة التي تستخدمه اليوم ما يربو على 35 مليون جهاز

وهذه ليست الخطوة الأولى، ففي يونيو 2014 قام فيسبوك بإجراء اختبارات سيكولوجية للمستخدمين وقياس تجاوبهم العاطفي، بعد إخضاع حوالي 600 ألف مستخدم لاختبارات نفسية. وقد قام بها دون تصريح أو موافقة مسبقة منهم، الأمر الذي عرّض شركة فيسبوك لانتقادات حادة وقتذاك.

أما تلك الخاصية التي يقوم المستخدم فيها بالتعبير عن حالته النفسية والتي تعرف بـ”أضف إلى منشورك ما الذي تفعله أو ما تشعر به”، فهي خاصية من شأنها جمع بيانات تفيد في دراسات نفسية لفئات معينة، أو سكان منطقة ما أو مجتمع ما، وتفاعلهم مع الأحداث المحيطة. إضافة إلى ذلك، الكلمات المفتاحية التي ترد في منشورات المستخدم التي يستفيد فيسبوك منها ليُظهر له الإعلانات المرتبطة بتلك الكلمات التي يسجل فيسبوك نسبة تكرار معينة لها، مثل اسم فريق كرة قدم.

تفجيرات باريس وفيسبوك

تفاعل فيسبوك المستمر مع الأحداث البارزة التي تثير عاطفة المستخدمين، يترك أثراً عميقاً فيهم ويُشعرهم أن فيسبوك يشعر بهم ويقوم بالتعبير عما يخالج صدورهم. ففي أحداث باريس مساء الثالث عشر من نوفمبر 2015، سارع فيسبوك إلى إضافة عدة خاصيات جديدة كان أبرزها خاصية تحديد حالة الأشخاص الذين بيّنوا مكان إقامتهم في مدينة باريس في ذلك اليوم أو زيارتهم لها. فيقوم هذا الشخص بالتأكيد أنه بخير أو مصاب أو لم يكن بالأرجاء، ليُنشر هذا على صفحته، وقد تمت تسمية الخاصية بـ”فاحص فيسبوك للسلامة”. إضافة إلى خاصية تغيير الصورة الشخصية للمستخدمين حول العالم على صفحاتهم، بحيث تُوضع علامة مائية لعلم فرنسا على الصورة الأصلية كتعبير من المستخدم عن تضامنه مع ضحايا الأحداث.

كل هذا وغيره يجعل المستخدم متعلقاً أكثر بشبكة التواصل الاجتماعي هذه، ويكنّ لها الولاء الشديد الذي يقوده إلى الولوج وتصفحها بالرغم عن وجود الأخطاء المتعمدة تلك. حيث أن الدراسات النفسية والسيكولوجية إلى جانب التطوير في التقنيات تُشعر المستخدم أن فيسبوك قد أضحى شيئاً لا يستغنى عنه، بل بلغ الأمر بالبعض مرحلة إدمانه.

غير أن بعض العُقد ما تزال بحاجة إلى الحلّ، حتى يتمكن فيسبوك من رفع راية استقلاله من غوغل بلاي. إذ يستلزم الأمر إيجاد بدائل عن العديد من الخدمات التي يقدمها غوغل بلاي لناشري التطبيقات على متجره مثل خاصية التحديث التلقائي والشراء والدفع الإلكتروني من خلال التطبيق، حيث أن فيسبوك يوفر عدداً من الخدمات غير المجانية كنظام الإعلانات وشراء منتجات إلكترونية وتطبيقات الألعاب وغيرها.

عدد مستخدمي غوغل بلس يبلغ 540 مليون مستخدم فاعل شهريا حتى العام 2015 أمام أكثر من 1.4 مليار مستخدم على فيسبوك

قلق أم لعب على المكشوف

ربما تعمّد فيسبوك هذه الخطوة وفتح ستارة خشبة مسرحٍ لقصة عفوية كان أبطالها مستخدمو فيسبوك، ليقدّموا عرضاً نابعاً من موهبة الولاء لديهم تجاه شبكة التواصل الاجتماعي التي لا ينفكون يتصفحونها على أيّ منصةٍ كانت وبأيّ طريقة، بالرغم من دراما الأخطاء التشغيلية الحاضرة في فصولها.

فهل تم كل شيء وقد كان فيسبوك على دراية بمدى تعلق المستخدمين به وقد أراد لغوغل أن تقرأ ما بين سطور نص المسرحية؟ لا سيما وأن غوغل ليست بغافلة (تقنياً) عن الأخطاء التي واجهها المستخدم الذي لجأ إلى بدائل أُخرى على منصته أو الاستمرار على التطبيق على حالته تلك.

قد تكون تلك رسالة يريد فيسبوك إيصالها إلى الخصم الموشك على تصعيد ما، نابع من المنافسة، أو بسبب تجاوزات فيسبوك لقوانين غوغل بلاي، أو ثورةً من فيسبوك على قيود ذلك المتجر الإلكتروني. فربما هو مؤمن بمقولة ألبيرت آينشتاين “لا تستطيع أن تمنع الحرب وأنت تستعد لها”. وكأن الحرب قادمة لا محالة، خاصةً وأن مواقع عدة مثل “ذى إنفورميشن” تتابع الأمر، وتنشر التقارير وقد أصبح حديث المختصين.

فلعل النوايا الخفيّة توشك على الظهور يوماً، ليبقى القول الفصل للمستخدم الذي يعوّده فيسبوك على ودّه وكسب تحمّله وتجاوزه عن الأخطاء المتعمدة، فيكون من أنصاره في حربه مع غوغل. قال ابن الوردي “واحفظْ لصاحبِكَ القديمِ مكانَه/ لا تتركِ الودَّ القديمَ لطار/ وإِذا أساءَ وفيكَ حملٌ فاحتملْ/ إِن احتمالكَ أعظمُ الأنصارِ”.

10