الحرب السورية نقطة تحول في تغطية الأحداث بالأدوات الرقمية

الصحافيون الأجانب والناشطون السوريون اعتمدوا على التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل أساسي في تغطية الأحداث.
السبت 2018/07/28
التحديات التي يواجهها الصحافيون في الحرب السورية لا حصر لها

بيروت – شكلت الحرب السورية تجربة فريدة للصحافيين ومراسلي وسائل الإعلام الغربية الذين فرضت عليهم ظروف الرقابة وصعوبة الحصول على رخصة حكومية لتغطية الأحداث، استخدام أدوات تكنولوجية خاصة وبطرق جديدة للحصول على الخبر.

وتشرح آنا برنار رئيسة مكتب صحيفة ذي تايمز الأميركية في بيروت، التي تغطي الأخبار في سوريا والشرق الأوسط، طريقة استعمال التكنولوجيا التي تستخدمها، ومدى الاختلاف بين استخدام التكنولوجيا في الحياة اليومية وبين العمل في الصحافة، وهو فرق كبير، غالبا ما يجهله المستخدم العادي.

وتقول برنار في حوار مع الصحافية تسنيم السلطان لصحيفة نيويورك تايمز، إن تغطية الأحداث في سوريا أحدثت نقلة نوعية في الطريقة التي أستعمل بها التكنولوجيا في العمل. وأوضحت “لا يعني ذلك أني استعمل أدوات تكنولوجية متطورة بشكل خاص، لكن التحديات الصحافية واللوجستية الخاصة بتغطية الحرب (في سوريا) دفعت الجميع إلى استعمال تكنولوجيا أساسية بطرق جديدة ومختلفة. وهذا لا يشملني أنا وزملائي الصحافيين فقط بل يتعلق بالسوريين أيضا الذين نغطي تجاربهم”.

آنا برنار: التحدي الأساسي بالنسبة إلى الصحافيين ضمان أمن المصادر، إذ تمكن الاتصالات الإلكترونية من تحديد هوية الناشطين
آنا برنار: التحدي الأساسي بالنسبة إلى الصحافيين ضمان أمن المصادر، إذ تمكن الاتصالات الإلكترونية من تحديد هوية الناشطين

وأهم أداة من هذه الأدوات هي فيديوهات الهواتف الذكية التي انتشرت بشكل واسع نظرا إلى سهولة مشاركتها مع الآخرين. والشيء الآخر الذي يكتسب أهمية بالغة هو شبكات التواصل الاجتماعي، فقد ساهمت في ربط الصحافيين بنطاق واسع من المصادر المتنوعة.

وهناك عدد كبير من التطبيقات والأدوات لا يتسنى حصرها، لكنها بالتأكيد تضم منصات معروفة مثل فيسبوك ويوتيوب وواتساب وتويتر وسكايب.

وساهم السوريون أنفسهم في استكشاف تلك الطرق وتطويرها باستعمال أدوات بسيطة تم اعتمادها في كل أنحاء العالم من قبل أناس يناضلون ضد السلطة، بما في ذلك الولايات المتحدة حيث يسجل شهود العيان وحشية الشرطة أو يشارك نشطاء منظمة “حياة السود مهمة” فيديوهات لهذه الممارسات. وطالما فرضت الحكومة السورية الرقابة المشددة على دخول الصحافيين الدوليين إلى سوريا وقيدت تحركاتهم في الداخل. لذلك عندما بدأت الحركة الاحتجاجية في عام 2011، أدرك الناشطون السوريون أن عليهم تصوير ما يحدث وتحركاتهم الخاصة (وقمع الحكومة لهم) إذا كانوا يريدون للعالم الخارجي أن يعرف ذلك.

وبدأ ذلك بسرد شهود وناشطين فرديين تفاصيل عن التاريخ والمكان وهم يستخدمون الهواتف لتصوير الاحتجاجات، ثم توثيق مهاجمة القوات الأمنية للمحتجين، ثم سيطرة مقاتلي المعارضة على الأحياء السكنية، وتاليا قصف طائرات الهليكوبتر التابعة للنظام (ولاحقا الطائرات المقاتلة) لهذه الأحياء.

ووتضيف برنار “مع استمرار الحرب، أصبح الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة صعبا بنفس درجة صعوبة الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، حيث أقيمت الحواجز لمنع الدخول إليها، أو تعرض الصحافيون الموجودون هناك للتهديد من مختطفين متطرفين أو لضربات جوية أو الاثنين معا. لذلك أصبحت هذه الأدوات مهمة لتغطية كل الأطراف والمناطق بالرغم من أننا لم نتوقف أبدا عن السفر إلى أي منطقة يمكننا الوصول إليها”.

وبعد سبع سنوات، أصبح استعمال أدوات الإعلام الرقمي أكثر منهجية بكثير. فمنظمة الخوذ البيضاء للإغاثة التي تعمل في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة عادة ما تأخذ فيديوهات من خلال كاميرات مركبة على خوذ المتطوعين وهم يحاولون سحب ناجين من الأنقاض. لقد أصبحت الحرب في جزء منها حربا معلوماتية وكل الأطراف يسجلون فيديوهات يأملون في أن تنتشر انتشارا واسعا على الإنترنت لتنشر وجهة نظرهم.

وتتابع برنار “لكن نحن الصحافيين أيضا نستعمل الأدوات نفسها لتوجيه الحديث والتثبت من المعلومات، وليس فقط تلقي ما يريد الناس أن يرسلوه إلينا. ومنذ البداية، جمعنا بين الاتصال على الإنترنت والاتصال الشخصي، وذلك بالتواصل مع الأشخاص على الإنترنت ثم رؤيتهم شخصيا لاحقا، أو استعمال شبكات التواصل الاجتماعي للبقاء على اتصال مع أشخاص سبق أن التقينا بهم داخل البلاد”. و“يمكننا باستخدام فيديوهات أو صور عن طريق سكايب أو واتساب أن نكون شاهدين على ما يمر به الشخص في الوقت الحقيقي. ويمكننا أيضا أن نطلب منهم أن يطلعونا على ما حولهم أو يبعثوا بصور لشظايا قذائف أو وثائق أو أماكن من أجل تعزيز الإدعاءات أو دحضها.

الحرب في جزء منها أصبحت حربا معلوماتية
الحرب في جزء منها أصبحت حربا معلوماتية

ونستعمل البحث الرجعي عن الصور للتأكد من أن الصور والفيديوهات التي تتم مشاركتها على الإنترنت لا تعيد أحداثا قديمة. وبمساعدة زملاء لنا يمكننا استعمال تحديد المكان الجغرافي من أجل التثبت من وقت ومكان تصوير الصور أو الفيديوهات”. لكن كل ذلك لم يكن يمر دون تحديات، ووفقا لبرنار فإن التحدي رقم واحد هو أمن الشهود والمصادر، فسواء في الولايات المتحدة أو سوريا توفر الاتصالات الإلكترونية غايتين، فهي توفر طريقا للرقابة الحكومية من أجل تحديد هوية الناس الذين يحاربونها وأيضا تسهم في تحديد مكانهم.

وفي سوريا اختارت الحكومة عدم غلق فيسبوك ومنصات أخرى، إذ استعملت هذه المنصات لاقتفاء أثر الناشطين والعلاقات التي تربط بينهم. وفي هذا الإطار تم اعتقال أشخاص وتعذيبهم بسبب منشورات لهم على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى تسجيل “إعجاب” على تعليق شخص آخر، وكثيرا ما تتم قرصنة الرسائل الخاصة أو التنصت عليها. “لذلك فإننا نبحث باستمرار عن وسائل اتصال أكثر أمانا”.

وترى برنار أن التكنولوجيا في الحالة السورية تعتبر حبل نجاة أكثر من أن تكون شيئا آخر، بينما في مختلف أنحاء العالم تعتبر وسيلة تواصل مع العائلة والأصدقاء والمصادر خاصة وأن التطبيقات السمعية والمرئية هي بديل أرخص وأوضح في التفوّق على الاتصالات بالهاتف المحمول. ومجموعات فيسبوك وواتساب طريقة سهلة لمشاركة الصور والشعور بأنك على اتصال أكثر.

لكن انخفاض سرعة الإنترنت أمر محبط جدا في مكان مثل بيروت؛ إذ تعمل برنار مع صحافيين آخرين على مشاريع وسائط متعددة مرئية، وتقول “إنها مذهلة غير أني لم أتمكن أنا والكثير من المقيمين في المنطقة من مشاهدتها بالكامل لأننا حرفيا لا نملك عرض النطاق الترددي الضروري لتحميلها ومشاهدتها بشكل فعال”.

18