الحرب السورية وورقة التوت الأخيرة

السبت 2014/02/01

هذا العنوان ليس خبريا بل هو تعبير عن واقع يجوز أن يوصف بأنه سريالي يحمل المتناقضات كلها، وكأن السوريين تكالبت عليهم كل ما يمكن وصفه بملمات الدهر.

أمس كنت في حديث مع صديق لي يعيش في إسطنبول، وكعادة الأحاديث مع الأصدقاء يؤتى على موضوع الجنس اللطيف، ولكن للأسف هذه المرة بمعنى مختلف عنه في الأحوال العادية. وطرح السؤال حول ما إذا كانت أحوال الحرب في سوريا سببا في ارتفاع معدلات ظاهرة ممارسة الدعارة، خصوصا في ظل الأسباب القاهرة الناجمة عن التهجير والأوضاع الاقتصادية المنهارة وتفكك كثير من العوائل إما بموت المعيل أو حتى بتشتت العوائل في أكثر من مكان، فمن الطبيعي مع هذا كله أن تزيد النسبة عن حدودها المعتادة في أي مجتمع، فما بالك بالحرب السورية التي تعتبر الأبشع بين الحروب التي سمعنا بها على الأقل في التاريخ الحديث، فهي حرب ولدتها أزمة مركبة معقدة تلعب بها عوامل الجغرافيا والديموغرافيا والاستبداد، أضف إلى ذلك عقد التاريخ التي تركت ولم تعالج.

وبصدد الإجابة عن هذا السؤال، كان جواب الصديق مفاجئا لي، وذكر لي حادثة وقعت له، فقد قرأ إعلانا لفتاة قالت إنها سورية تعرض نفسها للجنس، فما كان من صديقنا إلا أن اتصل بها وأخذ يتكلم معها باللغتين التركية والأنكليزية ظانا أنها ربما ترفض السوريين على قاعدة تجنب الفضيحة، أو ما شاكل. المهمّ أن الرجل واعدها وذهب للقائها، وإذا به يكتشف أنها ليست سورية. فسألها لماذا كذبت. فقالت لا أنا لم أكذب أنا من الأناضول وتعلم أن الإسكندرونة كانت جزءا من سوريا قبل أن تضمّها تركيا إليها، ولذلك أنا كنت صادقة كما ترى.

ورحنا نناقش الأمر. من الممكن أنها أقدمت على الادعاء بأنها سورية بغية الترويج لسلعتها بشكل أفضل، يعني من باب التسويق لنفسها بسبل متعددة. ولكن هذا الضرب من التسويق يدعو للضحك المؤلم، ويفتح المجال للتأمل في حقيقة المأساة السورية.

لقد تذكرت الفتاة أصلها الذي نسيه ربما أغلب سكان المناطق الجنوبية من تركيا “السورية” خصوصا مع التطور الذي عرفته تركيا على المستويات كافة اقتصاديا واجتماعيا وأيضا على مستوى حقوق الأفراد وحرياتهم.

اليوم جاءت التركية لتعترف بانتمائها الوطني التاريخي، لتتمكن من ممارسة الدعارة بشكل يحقق لها عوائد أفضل.

ربما يقول قائل إن هذه حالة فردية، ولعلها تنطوي على شيء من الكوميديا السوداء، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ترى هل هذه الفتاة وحدها من ادّعى بما ما ادّعته مع صديقي؟

ولأعمل مقارنة من نوع قد يبدو غريبا أيضا، ترى أو ليس من أيقظ ثارات الحسين واستدعاها إلى سوريا ليقاتل ويحشد على أساسها المقاتلين، ويعتبر أي انتصار يحققه هو انتصار ينسب للحسين، وردا ولو متأخرا، على مظلوميته التي لم تكف كل الدماء التي سفكت منذ مقتله حتى اليوم لإشباعها، فقدموا إلى سوريا معلنين شروق شمس انتقامهم من أهل الشام، ورافعين راياتهم عقب كل مذبحة انتصروا فيها، وصائحين بعباراتهم عند كل حين؟ أو ليس ذلك مشابها من حيث الجوهر لما فعلته تلك الفتاة من تذكر سوريتها لممارسة الرذيلة؟

ثم ألا يبدو خروج مئات الحاقدين من داخل أبشع صفحات التاريخ العراقي، في حقبة جمعت واختزلت أسوأ فهم للإسلام، ووصولهم إلى سوريا برايات سوداء وسيوف تجز رقاب الأطفال، أبشع من فعلة تلك الفتاة؟

أو ليست إبادة شعب كامل وسحق حلمه بالحرية والكرامة، وتدمير مدن بكاملها بحجة وجود مؤامرة وأيد خارجية تستهدف خط المقاومة والممانعة أليس هذا ذلك أبشع من استغلال الفتاة التركية لسوريتها؟

أليس حصار مدنيين في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين من قبل جيش الصمود والتصدي وقوات “الوعد الصادق” وتجويعهم ليموتوا وهم هياكل عظمية، بحجة وجود بضعة مسلحين محاصرين معهم، وبعد هذا يخرج الممانعون ليقولوا للعالم إن الكيان الصهيوني هو المسؤول، وخلف كل ما يجري في المنطقة؟ أليس ذلك أسفل بألف مرة من فعلة الفتاة التركية البسيطة؟

ومن ثم ماذا نسمي زوال كل ذلك التوتر بين نظام الأسد في سوريا، ونظام المالكي في العراق فجأة، عندما نشبت الثورة السورية، ومن دون سابق إنذار وتناسى الطرفان ما بينهما؟

ألا تصبح الفتاة التركية المسكينة هي وفعلتها واقعة بريئة، إذا ما قورنت بكل ذلك العهر السياسي؟

كثيرة هي المقاربات والمقارنات التي من الممكن تخيلها في معرض التأمل في فعلة تلك الفتاة التي تذكرت ارتباطها بأصلها السوري، وأفعال سياسيي العراق وسوريا، ومناضلي الأحزاب المقاومة وقد سقطت عن عوراتهم القبيحة آخر أوراق التوت التي سترتها.

4