الحرب الصهيونية على غزة وأفاق الصراع

الخميس 2014/07/24

أدهشت الحرب الإسرائيلية على غزة المتابعين، بسبب كثافة النيران وعدد القتلى وكمية الدمار التي أحدثتها خلال أيام معدودة سيما وأنهم يدعون محاربة الإرهاب وإنذار الأهالي بإخلاء منازلهم قبل القصف الذكي!

هذه الحرب تأتي بعد قضيتين: الأولى تشكيل حكومة مصالحة، وقد رفضتها إسرائيل فورا وكذلك الولايات المتحدة، وهو ما يزيد من إغلاق ملف التفاوض مع إسرائيل، المتوقف أصلا، بين السلطة وإسرائيل ويضغط على السلطة لإيقاف التعامل الأمني بينهما، والذي حوّل السلطة إلى مجرد سلطة أمنية تقمع الفلسطينيين وتسهل مهمة إسرائيل في اعتقال الناشطين وقتلهم. هذه الممارسات ذاتها هي التي همشت السلطة الفلسطينية وهي ما دفعها للتصالح مع حماس في غزة. يأتي التصالح كذلك بسبب سقوط الإسلام السياسي ممثلا بالإخوان في مصر وإغلاق معبر رفح، وتوقف العلاقات مع مصر بعد ذلك السقوط. إذا حكومة المصالحة ضرورة لحماس وللسلطة معا.

القضية الثانية، وهي اكتشاف كميات كبيرة من الغاز، قد تساهم في الاستقلال الفلسطيني عن إسرائيل وعن التبعية لدول إقليمية، وهذا غير ممكن استخراجه وبيعه والاستفادة منه دون العلاقة مع الضفة.

الحرب الإسرائيلية تأتي كذلك، بعد بداية انتفاضة فلسطينية واسعة تشمل أراضي الـ 48 و67، وهي الثالثة بعد انتفاضة الحجارة 1987 وانتفاضة عام 2000، ولكن هذه المرة أخذت طابعا فلسطينيا عابرا للحدود. وتعبر عن رفض الجغرافيا الاستعمارية التي تشكلت منذ بداية استعمار المنظمات الصهيونية أرض فلسطين، وتوضح انهيار وهم فكرة الدولتين ونفول إمكانية التعايش بين الفلسطينيين والصهاينة وضرورة إيجاد حلول جذرية لمشكلات الفلسطينيين. فعرب 48 لم يستطيعوا عبر “الآسرلة” الإجبارية الوصول إلى أهدافهم، وبقي التمييز قائما ورغم ذلك فإسرائيل تسعى لتسويق نفسها كدولة يهودية، بل وحاولت دائما التمييز بين الفلسطينيين بين بدو وحضر ودروز.

طبيعة الدولة الصهيونية القائمة على تفكيك المجتمع الفلسطيني وتفريقه وإدارة الظهر لحق العودة، والتمييز ضد الفلسطينيين؛ وهذا لا يمكنها تجاوزه. وقد أكلمت ذلك بتحطيم انتفاضة 1987 باسم اتفاقيات أوسلوا ووعود بتشكيل فلسطينية على أراضي 1967، ورفضها الاعتراف بالقدس كعاصمة لتلك السلطة وتهوديها المستمر وتقطيع الضفة بالمستوطنات، وشنها ثلاثة حروب على غزة، في 2008 و2012 والآن؛ نقول كل هذه العوامل ساهمت ببدايات تفجر الوضع الفلسطيني برمته؛ وهو يعبر عن إفلاس كل أشكال المقاومة المدنية في 1948 وهامشية سلطة الضفة وعدم قدرة غزة على تحمل الحصار المستمر ضدها.

طبعا الحرب على غزة لن تستمر إلى الأبد، فإسرائيل تريد تحطيم البنية العسكرية البسيطة وسواها التي أنشأتها سلطة حماس، وتستفيد من حالة الضعف المطلقة التي تعاني منها المنطقة العربية. هذه الحرب ستنتهي بهدنة وتكون على إثرها غزة مدمرة وستكون حكومة المصالحة معنية بإعمارها، وستجبر سلطة الضفة مجددا على ترتيبات أمنية جديدة بسبب الضغط المصري والأميركي؛ ولكنها لن تنال شيئا مقابل ذلك؛ وهو ما تعيه سلطة الضفة وبالتالي ستتشكل حكومة المصالحة إثر الهدنة، ولكنها ستكون ضعيفة.

إسرائيل التي تتحكم بها الرؤية الصهيونية الاستعمارية والحرب على فلسطين، ليس بحوزتها أي خيار آخر إلا تهويد فلسطين وتعميق المشكلات أمام الفلسطينيين، وبالتالي ستكون هناك أزمات مستمرة يعيشها الفلسطينيون وهو ما سيشكل أسباب فعلية للانتفاضة الجديدة كما يشير كل من سلامة وعلاء.

حماس ستكون عقبة فعلية أمام مد وطني جديد، وأمام انتفاضة جديدة، فهي لا تؤمن بمشروع وطني، بل تأمل بالسيطرة على الضفة والقطاع بأن واحد، والأمر ذاته لا يزال يربك فتح وكوادرها، وبقية الفصائل هامشية وممسوكة لإحدى المنظمتين الكبيرتين إضافية للنتائج الهزيلة للانتفاضتين السابقتين، وهذا ما سيشير إلى عقبات إضافية بوجه الانتفاضة، وهو ما يذكره الكاتب هاني المصري في مقالته ” الانتفاضة الثالثة”.

ولكن بغض النظر عن عوامل ترجح اندلاع انتفاضة ثالثة واسعة كما ظهرت بوادرها في الأسابيع الأخيرة، أم وجود عقبات أمامها؛ فإن وضع الفلسطينيين بكافة مناطقهم، لا يشير أبدا إلى أي استقرار ممكن، بل يشير إلى إمكانية احتجاجات كبيرة لإحداث تغير جدي في مصيرهم؛ سيما أن إسرائيل والسلطة في الضفة وفي غزة وفي الشتات بحالة سيئة، ولاسيما في العراق وسوريا ولبنان.

إذا لا بد من حل جديد ينهي الوضع الكارثي للفلسطينيين؛ وهذا غير ممكن ما لم تتغير طبيعة الدولة الصهيونية من كونها كذلك، وإنهاء فكرة الدولتين كلية، والعمل من أجل دولة واحدة لكل العرب واليهود من غير الصهاينة أو الحركات الطائفية الأصولية الفلسطينية، ويكون عمقها العالم العربي.

الوضع العربي غير المستقر، والانسحاب الأميركي العام من المنطقة سيشكلان بصورة مستمرة عاملا داعما لعدم إيجاد أي حل لتعقيدات الصراع العربي الاسرائيلي، وسيؤمن لإسرائيل كل الدعم لمحاولة تعزيز سيطرتها على المنطقة. هذا الوضع بالتحديد ما يشكل بوابة حروب مستمرة بين إسرائيل والفلسطينيين وكذلك العرب؛ وها هي في الأسبوع الأخير تقصف في غزة ولبنان وسوريا.

إن أي تغيير ثوري في المنطقة سيكون مشكلة حقيقية لإسرائيل، وهو ما عبرت عنه حينما اندلعت الثورات العربية لأنه سيطرح قضية الصراع معها؛ فهي مشروع للتحكم بالمنطقة العربية وهي لاتزال تحتل أراضٍ عربية، وبالتالي سيحدث تصادم حقيقي حين ذاك. مع سقوط حكم الإخوان، ورغم أنهم لم يسقطوا لا اتفاقية كامب ديفيد ولا اتفاقية الغاز ولا فتحوا معبر رفح كما ينبغي بين “دولتين” متفاهمتين، وبعد عودة الدولة العميقة، ووصول السيسي لسدة السلطة، فإن إسرائيل تنفست الصعداء وشنت حربها الجديدة بمعرفة النظام المصري.

طبعا وبما يخص حماس وعلاقتها الإشكالية مع إيران وحلفها؛ فإنها وبسبب طبيعتها الأصولية والطائفية، ستكون ضد أي انتفاضة جديدة، وستذهب نحو عسكرتها للتسلط عليها ومنع عودة الشعب إلى دوره في الثورة وفي التغيير لمجمل الوضع الفلسطيني.

إذا وكما يقول علاء العزة، لابد من تنظيم الشعب الفلسطيني نفسه مجددا، وبكلماته نختتم مقالتنا: “إن ما تحتاج إليه فلسطين اليوم هو عملية إعادة تنظيم المجتمع وتحديدا بنيته الاقتصادية، من أجل إطالة أمد العمل الانتفاضي وبناء رؤية وطنية جامعة تعيد الصراع إلى جذوره.. أي المشروع الاستعماري العنصري في فلسطين كلها”.

6