الحرب الطاحنة واللاجئ المتهم

الأحد 2013/10/06
"شوارع العالم" جنان جاسم حلاوي

يعود الروائيّ العراقيّ جنان جاسم حلاوي إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات من القرن العشرين ليمتح من ذاكرة الأسى والتشرّد وقائع روايته «شوارع العالم»، (الريّس، بيروت، 2013) التي يسعى من خلالها إلى نقل الوجع العراقيّ المتعاظم إلى القرّاء من خلال رسم سيرة التخبّط والتشرّد التي وجد فيها أبطاله أنفسهم ضائعين في دهاليز الواقع المفجع.

يُلقي حلاوي – المقيم في السويد منذ سنوات – إضاءات على واقع عراقِ الثمانينات، يصوّر المعارك المستعرة على أكثر من جبهة داخلية وخارجية، وتخبّط الناس والسلطة معاً، فمن جهة تكون الحرب مع إيران، مستنزفة لطاقات البلاد والمواطنين، يتمّ تجنيد الشباب وإرسالهم إلى الجبهة ليكونوا وقود النيران القاتلة في حرب بدت حينها أنّها غير منتهية. ومن جهة أخرى تكون المعارك ضدّ السلطة المركزية على جبهات الشمال مع القوّات الكرديّة المحتمية بالجبال، والتي كانت تطالب بحقوق الأكراد، وفي الفترة نفسها دارت معارك بين قوّات شيعيّة في البصرة مع النظام الذي حاول القضاء على أيّ تمرّد ضدّه مهما كلّف الأمر.

يتناول حلاوي حكاية أسرة عراقيّة من البصرة، يدرس إبنها المبتعث من قبل الحزب الشيوعي العراقي في الاتّحاد السوفياتي.ولأنّ الحزب كان محظوراً في العراق فإنّ الأمر ينعكس على أسرته التي تخضع للتضييق بشكل مستمرّ من قبل السلطات. وعلى الجانب الآخر يكون التضييق على الإبن وتحميله المنّة بإنقاذه ومساعدته على إكمال تحصيله الجامعيّ وبالتالي إرغامه على تنفيذ ما يُطلب منه دون إبداء أية معارضة أو امتعاض ما يدفعه إلى الهجرة إلى السويد وطلب اللجوء فيها.

مسارات التيه

رحلة التيه التي يرسم الروائي مساراتها تنطلق في ثلاثة اتّجاهات، تتقاطع فيما بينها لتراكم الأوجاع والمآسي التي تحلّ بالأسرة المنكوبة. المسار الأوّل الذي يتوه فيه سالم في شوارع العالم ينطلق من موسكو التي يترك فيها الدراسة إثر خلافات له مع التنظيم ليتوجّه إلى السويد، ويقدّم فيها طلب اللجوء، لكنّه يصدَم برفض طلبه، ويكون موضع شكّ من السلطات السويديّة التي تقوم بترحيله إلى موسكو، ومن هناك يُعاد مرّة أخرى تحت تهديد تصفيته واعتقاله في حال تسفيره إلى العراق، ولأنّ رفاقه السابقين في الحزب تنكّروا له ولم يبادروا لتقديم أيّة مساعدة له. ومن ثمّ يتمّ ترحيله من السويد إلى دمشق في رحلة تيه جديدة، تبدو كأنّها نهاية مرحلة وبداية تسكّع متجدّدة.

المسار الآخر يختصّ بزكي، وهو الأخ الأصغر لسالم، إذ يترك الفتى دراسته بسبب إغلاق المدارس في البصرة، جرّاء المعارك المستعرة بين القوّات العراقيّة والإيرانيّة، فيقصد زكي بغداد يجول في شوارعها بحثاً عن أمل قد يلوح في الأفق، ومن هناك يتوجّه إلى السليمانيّة أملاً في مساعدة صديق أخيه الفلسطينيّ له على إخراجه من البلد وإتمامه دراسته لاحقاً حين سيرسل أخوه سالم في طلبه.

الرواية تصور حالة التشرّد لدى البسطاء

مسار التشرّد الثالث يكون الأقسى، إذ يضطرّ والدا سالم إلى ترك بيتهما الذي يدمّر تحت القصف في البصرة، والتوجّه إلى منطقة قريبة، ومن هناك ينزحون مرّة أخرى إلى الحدود العراقية السعودية إثر معارك بين الأهالي وقوّات النظام، المعارك التي تزامنت مع المعارك المستمرة على الجبهة.

يكون النزوح التالي نحو مخيّم صحراويّ على الحدود داخل الأراضي السعوديّة، وهناك يمكث مالك وزينب مدّة يقرّران بعدها العودة إلى ديارهما برغم كلّ الخراب الحاصل. يخوضان رحلة العودة الخطيرة، رغم التحذيرات الكثيرة، يفضّلان البقاء في مدينة تتحوّل إلى أطلال، والمكوث بين الخرائب والأنقاض على التشرّد في شوارع العالم التي يستحيل أن تصبح وطناً لهم.

مأساة جيل

يبرز الكاتب كيف أنّ البسطاء هم عادة أكثر من يدفعون ضريبة الأحداث الكبرى التي تقع، بحيث يكون أحدهم المتّهم والبريء في الوقت نفسه، يجد نفسه منتقلاً من مشكلة إلى مشكلة أكبر، كحالة بطله سالم الذي يتملّص من الاشتراك في حرب لا يراها حربه، إلى صراع مع مَن كان يفترض أنّهم رفاقه، وبعدها يجد نفسه تائهاً في شوارع مدن لا يعرفها وبين بشر لا يولونه أيّ اهتمام، بل ينظرون إليه بنوع من الازدراء، ويحتفظون بمشاعر الاستعداء ضدّه، ويختلقون الأسباب للتخلّص منه وتسفيره.

يلتقط حلاوي من خلال سرد راويه الكلّي مفارقات اللجوء والنزوح، وحالة الاغتراب التي تظلّ ملتصقة بالروح والجسد، حيث أنّ اللاجئ يشعر أنّه متّهم دوماً، وأنّه على أعتاب الترحيل نحو جهة مجهولة لأسباب مجهولة، يكون مصيره بيد غيره مرهوناً بمزاجياتهم وتخميناتهم وشكوكهم حول نيّاته ومقاصده. ويصوّر حالة التشرّد التي ترسم مصائر الناس بعيداً عن أهوال الحرب، وكيف أنّ الهارب اللاجئ لا يقلّ معاناة عن ذاك الذي لم يتمكّن من الخروج خارج البلاد أو لم يرد ذلك لسبب أو آخر، وكيف أنّ لكلّ حالة ضريبتها الكبرى.

بين أوطان تلفظ أبناءها، وأوطان تلفظ اللاجئين إليها تنقل عدسة الروائيّ مأساة جيل برمّته نشأن في ظلّ حرب أودت به، وشبّ مرتحلاً بين شوارع تبادلته ولم تستطع منحه وطناً بديلاً ولا ملاذاً آمناً يحلم به. وظلّ محكوماً بالمنفى والتسكّع والاغتراب والتشظّي والحنين والأمل.

14