الحرب العالمية الأولى إرث ثقيل لم يتمكن العالم من تجاوزه

الأحد 2014/06/29
حرب دامية حصدت أرواح المدنيين وغيرت موازين القوى العالمية

لندن - رغم مرور مئة سنة على اندلاع الحرب الكبرى لا تزال مخلفات هذا الصراع العالمي، الذي غيّر خارطة العالم، ثقيلة جدا خصوصا على منطقتي البلقان والشرق الأوسط. وأعمال العنف التي ولّدتها لم تنته بعد. وأدى ترسيم الحدود عشوائيا على يد قوى إمبريالية إلى ترك إرث لم تتمكن منطقة الشرق الأوسط من تجاوزه.

يوم 28 حزيران 1914 تم اغتيال فرانز فرديناند، ولي عهد الامبراطورية النمساوية، مع زوجته صوفي، قتلا على يد القومي الصربي غافريلو برينسيب. هذه الحادثة، التي وقعت على “الجسر اللاتيني في العاصمة البوسنية سراييفو، كانت السبب المباشر في اندلاع الحرب الكبرى ودخول العالم عصرا جديدا.

بعد شهر من اغتيال ولي العهد النمساوي، أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية، الحرب على مملكة صربيا، (28 تموز/ يوليو 1914)، واستغلت الإمبراطورية الألمانية هذه الفرصة وأعلنت الحرب على نظيرتها الروسية. وفي نفس الوقت أعلنت فرنسا، التي لم تكن طرفا، الحرب على بلجيكا، وقامت المملكة المتحدة بغزو ألمانيا في 4 آب/ أغسطس 1914، بينما أعلنت إيطاليا موقف الحياد.

وكانت النتيجة الأبرز للحرب العالمية الأولى، انهيار أربع إمبراطوريات (النمساوية المجرية والروسية والعثمانية والألمانية)، حيث انفصلت المجر عن النمسا، وتأسست تشيكوسلوفاكيا وصربيا و كرواتيا وسلوفينيا، وتأسست الجمهورية التركية نتيجة انهيار الإمبراطورية العثمانية، وفقدت ألمانيا العديد من مستعمراتها، التي كانت تسيطر عليها قبل بدء الحرب.

واستمر النزاع أكثر من أربع سنوات وامتد إلى جميع مناطق العالم. وفي نهايته كانت أوروبا منهكة، إذ سقط عشرة ملايين قتيل وعشرون مليون جريح من المقاتلين، وملايين المدنيين الذين قتلتهم المعارك أو الجوع أو الأمراض أو الاضطرابات الدامية التي بقيت تهز أوروبا من بولندا إلى تركيا مرورا بروسيا والمجر حتى 1923.

4 إمبراطوريات سقطت خلال الحرب العالمية الأولى: الألمانية والنمساوية المجرية والروسية والعثمانية

وهذه “الكارثة الأصلية” على حد قول الألمان، أدت بعد عشرين عاما إلى الحرب العالمية الثانية التي كرست غياب أوروبا التي دمّرت للمرة الثانية لمصلحة قوة عظمى في العالم هي الولايات المتحدة.


انقسام البلقان


بعد قرن كامل، ما زال عمل برانسيب وشخصيته مصدر انقسام في البلقان التي لم تشف بعد من النزاعات التي تلت تفكك يوغوسلافيا في التسعينات. وقد ظهر ذلك جليا خلال الاحتفال الذي نظّمته البوسنة أمس السبت وكان من المنتظر أن يتّخذ الاحتفال طابعا أوروبيا.

لكن غاب قادة أوروبا عن تقاسم ذكرى مشتركة في هذا النزاع الذي أدمى القارة العجوز وغيّر خارطة العالم أجمع. اختار المسؤولون الأوروبيون إحياء هذه الذكرى في مكان آخر وقبل يومين من تاريخها، وذلك يوم الخميس الماضي، في مدينة إيبر شمال غرب بلجيكا على هامش مجلس الاتحاد الاوروبي في بروكسل.

أرجع المؤرخ والدبلوماسي الصربي البوسني سلوبودان سويا التخلي عن فكرة عقد قمة أوروبية في سراييفو بمناسبة مرور مئة عام على اندلاع الحرب الكبرى إلى الخلافات التي أججتها هذه الذكرى بين مختلف المجموعات في البوسنة.

وأوضح سويا أنه “كان سيكون من المستحيل جمع الجميع (الصرب والمسلمون والكروات) معا في 28 حزيران في سراييفو".

وأزالت سراييفو، التي يشكل المسلمون غالبية سكانها اليوم، في السنوات الأخيرة كل أثر للناشط الصربي، الذي تعيد ذكراه إلى الأذهان ذكرى القوات الصربية التي حاصرت سراييفو خلال الحرب التي أودت بحياة نحو مئة ألف شخص من 1992 إلى 1995.

وقال المؤرخ حسني كامبيروفيتش “في الجيش الصربي البوسني الذي كان يقصف سراييفو كان هناك احترام هائل لذكرى غافريلو برانسيب".

فلدى الصرب، يتم إحياء ذكرى هذا الطالب الشاب الذي توفي في السجن في 1918 كبطل للنضال من أجل استقلال سلاف الجنوب عن إمبراطورية النمسا المجر التي ضمن البوسنة في 1908.

لذلك رفض صرب البوسنة المشاركة في الاحتفالات الرسمية في سراييفو مدينين “أسلوبا رجعيا” في قراءة التاريخ يعتبر برانسيب “إرهابيا” ويحمّل الصرب ضمنا مسؤولية اندلاع الحرب. وقد نظموا احتفالات خاصة بهم في مئوية الحرب برعاية رئيس الكيان الصربي البوسني ميلوراد دوديك والمخرج الصربي أمير كوستوريتسا.

الحرب الكبرى
◄ التاريخ: 28 يوليو 1914 - 11 نوفمبر 1918

◄ الموقع: أوروبا، أفريقيا، المحيط الهادي، المحيط الأطلسي، المحيط الهندي، الشرق الأوسط

◄ النتيجة: انتصار قوات الحلفاء

نهاية الإمبراطورية الألمانية والامبراطورية الروسية والدولة

العثمانية والنمسا والمجر


تشكيل دول جديدة في أوروبا والشرق الأوسط

◄نقل المستعمرات الألمانية إلى القوى الأخرى وتقسيم مناطق الدولة العثمانية

إنشاء عصبة الأمم


آثار الحرب في الشرق الأوسط


يقول الخبراء والمؤرّخون إن منطقة الشرق الأوسط تعتبر أكثر المناطق تأثّرا بتداعيات الحرب العالمية الأولى. ولعلّ أكبر أثر تواصلت تداعياته إلى اليوم هو اتفاقية “سايكس بيكو” (1916) التي قسّمت المنطقة العربية حسب مصالح فرنسا وبريطانيا. واليوم تشهد نفس المنطقة صراعات حامية الوطيس قال عنها الخبراء إنها بداية لنهاية سايكس بيكو ودخول العالم عصرا جديدا على غرار ما أحدثته الحرب العالمية الأولى.

إلى جانب اتفاقية سايكس بيكو تعد معاهدة “فرساي “ (1919) والتدخلات العسكرية للقوى الاستعمارية من أبرز مظاهر الحرب العالمية الكبرى، بالإضافة إلى مخلّفات الحرب العالمية الأولى على غرار الحرب العالمية الثانية وظهور إسرائيل والحرب الباردة والسباق على موارد الشرق الأوسط التي لازالت مؤثرة إلى اليوم في المنطقة الشرق أوسطية خصوصا فيما يتعلّق بظهور الصراعات العرقية التي تزداد خطورتها يوما بعد يوم، في ظل ما يجري في سوريا والعراق، والاضطرابات في لبنان والسودان، ومحاولات زعزعة استقرار مصر ودول الخليج العربي.

كل هذه التداعيات شكّلت، منذ مئة عام، أعباء على الشرق الأوسط، وأدت إلى صراع لم ينته ولا يبدو أنه سينتهي قريبا في ظل الأحداث التي تشهدها المنطقة.

4