الحرب الفيروسية حقيقة أو وهم

الاثنين 2014/06/02

لم يعد السلاح الوسيلة الوحيدة، ولا القوة العسكرية والجيوش، السبيل الأنسب، لفرض السياسات وإحكام الأجندة التي يسعى لفرضها القوي دائما على الضعيف، والضعف هنا لا يقصد به الفقر فقط أو ضعف القوة، وإنما انعدام المقدرة على التصرف باستقلالية وبعيداً عن الآخرين، ودون الرجوع إليهم في أوقات الأزمات والكوارث.

دخل الإعلام اللعبة وأصبحت قوته توازي الجيوش العتيدة، بسلاحٍ واحدٍ فقط وهو التوجيه الفكري، الذي يخاطب العقول بغرض السيطرة عليها وتسييرها وفق الأهواء المُراد لها إتباعها، فكانت نجاحاته التي لم تكن لينالها لولا ثقافة التغييب التي جعلت من الشعوب ملقمة وتابعة دون تفكيرٍ وإرادةٍ ورأيٍ مستقل.

والأخطر من الاثنين السابقين، والأشد فتكاً، هو السلاح الذي سأُسمّيه “الفيروسي”، وهو الذي يشيع الخوف في قلوب الجميع دون استثناء، ويتملك تفكيرهم، ويلهيهم عما سواه أياً كانت أهميته، ودون أن يستثني أحداً من المجتمع، مستنزفاً لمقوماته وقدراته وطاقاته المادية والعملية. الخوف من المرض وما قد ينتج عنه، فطرة إنسانية يتشاركها الجميع، والسعي للصحة طموح ومنى كل إنسان رغم كل العادات السلبية التي يمارسها، والتعلق بالحياة سُنّةٌ جُبلَ عليها البشر. من هنا ينبع الخوف، الذي تمّ استغلاله للسيطرة على الدول اقتصادياً أو سياسياً، عبر تعبئة الرأي العام في دول مختارة كل فترة تجاه أحد الأوبئة والأمراض الفتاكة، التي باتت الصفة المشتركة لها جميعا هي الڤيروسات!…..لم نكد نفيق من أخبار “سارس” الذي ضرب الصين إبان وهجها الاقتصادي وإعلانها امتلاك أعلى احتياطي نقدي للدولار في العالم العام ٢٠٠٣، وسبب لها كسادا سياحياً اضطرها لتسيير رحلات مجانيةٍ دعائيةٍ لأراضيها لتطمين السياح، حتى نالت الطيور من الوباء جانبا، وتم تعريفنا بانفلونز الطيور.

ضربت مصر وأعدمت على أثرها ملايين الطيور من الدجاج وأصابت تجارتها الكساد ومنعت تجارة الدواجن الحية من المزاولة، وتحولت مصر على إثرها إلى دولة مستوردة وهي التي كانت على أعتاب الاكتفاء الذاتي والتصدير للخارج. وللعلم، فيروس انفولنزا الطيور ضعيف، وكان يكفيه طبخ الطيور جيدا على درجة حرارة مرتفعةٍ لفترةٍ زمنيةٍ معينةٍ لقتله، مع غسلٍ لليدين وللأواني المستخدمة بالكلور المخفف بالماء، والذي يُعرف عنه أنّ يتمتّع بقدرة على الحماية من أشد أنواع البكتيريا والفيروسات. الدواء السحري لعلاجه كان ما أنتجته شركة “ميرك شارب” للأدوية “تاميفلو” وحققت بسببه معدلات مرتفعة جداً في المبيعات ورفعت من القيمة السوقية لأسهم الشركة في البورصة.

سلالة جديدة من الانفلونزا تلتهم، ولكن هذه المرة أطلق عليها مسمى الخنازير، بثت الرعب في قلوب البشر، وتربعت كفقرة أولى في جميع نشرات الأخبار حول العالم. استنفذت طاقات وزارات الصحة والهيئات والمؤسسات والجمعيات، وشغلت العلماء والباحثين، حتى أنتجت لها شركة “نوفارتس” اللقاح الشافي، والذي كان سبباً في اتّخام حساباتها بما يعادل الستة مليارات من الدولارات، وهو قيمة ما أنتجته وسوقته من هذا العقار!

من باب الحدس، ولا أقول أني أملك معلومات إحصائية دقيقة، أظن والله أعلم، أن أغلب تلك الكميات المشتراة لتلك الأدوية والأمصال العلاجية أُتلفت دون أن تستخدم بعد أن انتهت صلاحيتها!

في عامنا هذا، بدأ “كورونا” أو متلازمة الشرق الأوسط التنفسية باحتلال الصفحات الأولى من اهتمام المواطنين، وانتشر الذعر منه، وتسارعت وتيرة الإصابات به، وانشغل الناس بما يفعله هذا الفيروس بالمصابين به، في إعادة لنفس السيناريوهات السابقة، التي تثير الخوف والذعر، الذي لا يمكن وصفه “بغير المبرر” ولكن ربما “المبالغ فيه”. هو واقع لا يمكن إنكاره أو تجاهله، ولكن يتوجب عدم تضخيمه، والعمل بدلا عن ذلك باحتوائه والقضاء عليه قبل انتشاره، ووضع الخطط الصحيحة للتعامل معه، بكل شفافية وحرفية.

الأمثلة السابقة قد تقود البعض منا لأن يبرز مجدداً نظرية المؤامرة، التي بكل أمانةٍ لا أميل إليها، وأجدها سبباً في كثيرٍ من الأحيان ومسماراً نعلق عليه فشلنا وكسلنا، إلا أن الأمر هنا جدير بالدراسة والتحليل! فلو تساءلنا مثلا: لم لا تظهر هذه الأوبئة “الفقاعة” في الدول الأفريقية الفقيرة والآسيوية المعدمة، مع أنها بسبب ما تعانيه من فقر وانعدام للبنية التحية الصحية وعدم توافر للغذاء؛ تُشكل بيئةً خصبة للأمراض والأوبئة! ولم لا تضرب في الأغلب إلا الدول الغنية، أو القادرة على شراء ما ستنتجه لها شركات الأدوية العملاقة من عقاقير وأمصال؟ لماذا يتم تضخيمها دائما وكأنها وباء مع أن أعداد الإصابة بها ربما لا تساوي أعداد من تقضي عليهم الأنفلونزا العادية في الولايات المتحدة سنوياً، والمقدرة بعشرات الآلاف!…..هذا ما قد يخطر على البال من جانب نظرية الحدوث والانتشار والإصابة؛ أما في ما يتعلق بالتعامل، فالواجب هو أولا إيجاد البنية الصحية القادرة على التعامل مع المرض حال حدوثه، والتي ستكون عبر توفير الرعاية الصحية السريعة والمناسبة والمتزامنة مع توفر الأجهزة الطبية المتقدمة، والكوادر القادرة والمؤهلة وذات الخبرة. جميعها بالتزامن مع تضافر الجهود الحكومية والمؤسسات البحثية لاحتواء أولى الإصابات، والعمل سريعا على عزلها ومعرفة كيفية إصابتها. جهود لن يكتب لها النجاح بعد مشيئة الله سبحانه وتعالى، إلا إن سارت على خطط عمل تم وضعها مسبقاً لمواجهة الأزمات والكوارث، يقوم عليها خبراء وعلماء وباحثون، نتاج عملهم ليس وليد اللحظة، وإنما عبر عمل مستمر على مدار سنوات، الغرض منه مباشرة الحلول حال حدوث الخطر.

لا بد أن يؤسس أيضاً هيئات صحية مستقلة ذات صلاحيات واسعة جداً، يُناط بها التصرف بسرعة لاحتواء الأوبئة والإشراف على الأمراض والفيروسات القابلة للانتشار، أو التي تظهر حديثا، تعمل باستقلالية، ولها مراكزها البحثية ذات الصلة بنظيراتها في الدول المتقدمة، وصاحبة الخبرة والريادة.

كوننا بشر نحيا على الأرض بكل أخطائنا وتقدمنا وتطورنا وصناعتنا ونتكاثر; يعني أننا على الدوام معرضين لأخطار صحية ناتجة عن العادات الخاطئة وسوء استغلال العلم أو المناعة الطبيعية التي تكتسبها بعض الفيروسات, أو تطور الأخرى وتمكنها من الانتقال من الحيوانات للإنسان, وعدم استجابتها للأمصال والأدوية المعالجة; يحتم علينا أن نكون أكثر احترافية ومهنية في التعامل مع ما يخص الصحة العامة, وشفافية بمشاركة الجمهور واطلاعه وتوعيته وتصحيح أخطائه وتنبيهه لإتباع التعليمات الصحية وتجنب المحاذير التي تسهم في انتشار الأمراض والأوبئة.

17