الحرب الوقائية أم عسكرة السياسة الخارجية الأميركية

في خضم الاهتمام الدولي المنصب حول الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وتورّط الولايات المتحدة فيها، يعيد مركز الأبحاث الكندي "غلوبال ريسرتش"، دفّة الاهتمام وتسليط الضوء على سياسة الحفاظ على المصالح الأميركية التي تقوم على خلق بؤر التوتّر لتبرير التدخلات العسكرية. ويركّز في هذا السياق على الأدوار الخفية لقوات أفريكوم التي تزعم أن هدفها تعزيز ودعم القدرات الأمنية للدول الأفريقية التي تشهد صراعات لكنّها، في الأصل، تتخذ هدفا معاكسا تماما لهذه الغاية، ومنذ انطلاق عملياتها في أفريقيا زاد عدم الاستقرار في القارة.
الخميس 2015/10/01
البنتاغون يبرر تدخله العسكري في أفريقيا بمكافحة المجموعات المتشددة

واشنطن - لا توجد صدف في عالم الاستراتيجية والتخطيط بالنسبة إلى الدول الكبرى، فهناك دائما مبررات لكل حدث، ولكلّ خطوة تخطوها دولة عظمى مثل الولايات المتحدة في أي مكان من العالم؛ هذا ما يؤكّده الباحث والصحفي الاستقصائي الأميركي نك تورسي في كتابه "ساحات معارك الغد: حروب الولايات المتحدة بالوكالة والعمليات السرية في أفريقيا"، الذي يكشف النقاب عن العمليات السرية الأميركية في أفريقيا التي تتخفّى بستار الدعم الأمني الذي تقوده القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، المعروفة اختصارا بـ"أفريكوم".

يقول نك تورسي إنه رغم ما يروّج من معلومات تصب في فرضية أن إطلاق أفريكوم تمّ أساسا لتعزيز القدرات الأمنية الوطنية للدول الأفريقية، ومساعدتها في التصدي للتهديدات المفترضة على المصالح الأميركية في القارة الأفريقية، إلا أنها اتخذت هدفا معاكسا تماما لهذه الغاية. فمنذ انطلاق عمل هذه القوات ارتفع منسوب عدم الاستقرار في القارة، بدءا بالحرب الدائرة في الصومال، مرورا بتفكّك جمهورية السودان والحرب الأهلية التي أعقبت ذلك في دولة جنوب السودان الناشئة، وصولا إلى الحرب التي تدور رحاها ضد المتشدّدين الإسلاميين في نيجيريا والنيجر ومالي والكاميرون وتشاد.

وينتقد تورسي التوسع الأميركي في القارة الأفريقية قائلا "رغم النتائج المروعة منذ بدأ الجيش الأميركي في التمركز في أفريقيا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقا يهدف إلى إبقاء قواتها في القارة حتى منتصف القرن تقريبا".

وقد غذّت التطورات الأمنية النزعة العسكرية لواشنطن في القارة، التي استفادت قوّاتها من القواعد العسكرية والمجاري المائية والمجال الجوي لمختلف الدول الأفريقية المتواجدة التي عزّزت، ظاهريا، التعاون العسكري عبر برامج للتدريب العسكري المشترك وإبرام اتفاقيات للتعاون الأمني والاستخباراتي؛ فيما تقوم في الخفاء، بزرع شبكات استخبارتية تضمّ مراكز خدماتها السرية وقواعد جوية صغيرة تستخدم للرصد والتجسس.

وبقدوم إدارة باراك أوباما تم الترفيع في ميزانية الدفاع المخصصة لأفريكوم بشكل كبير؛ ومما ساعد على تنفيذ الخطة الأميركية في أفريقيا، أنها ظلت بعيدة عن التغطية الإعلامية والاهتمام، مقارنة بالسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. وكانت أفريكوم، المنتشرة في 53 دولة أفريقية، عدا مصر، تأسست في 1 أكتوبر 2007 كقيادة مؤقتة تحت مراقبة القيادة الأميركية لأوروبا. وبدأت نشاطها رسميا في أكتوبر 2008 بعد أن وقّع جورج بوش الإبن على خطة لإنشاء قيادة عسكرية أميركية خاصة بالقارة الأفريقية. لتصبح أفريكوم سادس قوة أميركية للتدخل الإقليمي السريع في العالم.

التناقضات بين السياسة الأميركية، ذات النزعة العسكرية، والسياسة الصينية، التي تقوم على تطوير البنية التحتية والعلمية، ستدعم الجانب الصيني وتوسّع من حظوظه في أفريقيا

الحرب الخفية في أفريقيا

كتب تورسي عن التوسع العسكري الأميركي قائلا "لسنوات، أصر الجيش الأميركي على أن جهوده في أفريقيا تكاد لا تذكر، وترك عمدا الشعب الأميركي، ناهيك عن معظم الأفارقة، لا يعلمون الحجم الصحيح لهذا التدخل ونطاق عملياته هناك. وادعى قادة وموظفو الشؤون العامة في أفريكوم مرارا وتكرارا أن ذلك ليس أكثر من ‘بصمة خفيفة’ في القارة".

وأشار إلى أن "البنتاغون تراجع عن الحديث عن المخيمات والبؤر الاستيطانية، مدعيا أنه يملك قاعدة واحدة فقط في أي مكان في أفريقيا: مخيم كامب ليمونييه في دولة جيبوتي الصغيرة. إنهم لا يرغبون في الحديث عن العمليات العسكرية، حيث أنها توفر معلومات مفصلة حول جزء من التدريبات الخاصة بهم. إنهم رفضوا الكشف عن المواقع التي يتمركز فيها أفراد أو حتى حسابات البلدان المعنية".

وسرد تروسي مستجدات جلسة الاستماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ التي قدم فيها ديفيد رودريغيز، قائد أفريكوم، استراتيجية البنتاغون المفتوحة للتدخلات العسكرية في أفريقيا. واتضح من خلالها أن الإنفاق على هذه العمليات لا حدود له مادام ليس هناك أي نقاش علني حول الحقيقة المحيطة بهذه الأهداف.

وجاء في تصريحات رودريغيز أن "كلا من الإرهابيين الإقليميين والشبكات الإجرامية يواصل التكيف وتعزيز حضوره في المنطقة. على سبيل المثال وسّعت حركة الشباب الصومالية عملياتها في محاولة لشنّ هجمات غير متكافئة تستهدف أوغندا وإثيوبيا وجيبوتي، وخصوصا كينيا. كما تتنامى التهديدات في ليبيا بسرعة، بما في ذلك توسع تنظيم الدولة الإسلامية، فيما تهدد جماعة بوكو حرام قدرة الحكومة النيجيرية على توفير الأمن والخدمات الأساسية في أجزاء واسعة شمال شرق البلاد”.

وبات معروفا أن مثل هذه التبريرات، تعني تدخّلات أميركية أوسع وتعزيز نظريات الحرب على الإرهاب، التي تكرّر فشلها في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

وتشير بعض الإحصاءات المتعلقة بتوسيع العمليات العسكرية الأميركية إلى أنه "في عام 2014، بلغ المجموع الإجمالي لجميع الأنشطة الأميركية في أفريقيا 674 عملية، مقابل 546 عملية في 2013.

وتذكر التقارير أن الولايات المتحدة استطاعت أن تؤسّس عدة قواعد عسكرية ونقاط قارة داخل مجموعة من الدول الأفريقية؛ فمثلا في بوركينا فاسو تستقر قاعدة عسكرية منذ عام 2007، تعمل كمركز لشبكة التجسس الأميركية في المنطقة، إلى جانب طائرات التجسس التي تنطلق من القاعدة باتجاه مالي وموريتانيا والصحراء، حيث يجري البحث عن مقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والتنظيمات المنضوية تحت لوائه أو المنشقة أو المتفرعة عنه، وفي الفترة الأخيرة انضم تنظيم الدولة الإسلامية إلى القائمة.

نك تورسي: تضاعفت حالة عدم الاستقرار في أفريقيا منذ انطلاق عمليات أفريكوم

وتمتلك الولايات المتحدة قاعدة عسكرية للطائرات دون طيار في منطقة “أربا مينش” بإثيوبيا منذ عام 2011. كما أقامت أميركا قاعدة جوية للطائرات دون طيار في نيامي بالنيجر في 2013. إلى جانب قاعدة عسكرية في عنتيبي بأوغندا، وتستخدم 12 طائرة مراقبة بحثا عن قادة جيش الرب الأوغندي، هذا فضلا عن القاعدة العسكرية الموجودة في جيبوتي، وهي القاعدة الأشهر والأكبر.

المنافسة الصينية

في الفترة الأخيرة توسّعت أفريكوم في جيبوتي من أجل تعزيز عملياتها في الصومال المجاورة والتحضير لبعثات في ليبيا والسودان وكينيا ومصر، وأيضا في البحر الأحمر على الحدود مع اليمن، حيث تدعم واشنطن الحرب التي تخوضها الحكومة اليمنية وحلفاؤها، ضدّ جماعة أنصار الله. لكن، تزامن هذا التوسّع مع توارد أخبار تتحدّث عن توتّر بين جيبوتي والولايات المتحدة، بسبب الصين، حيث ذكرت تقارير إعلامية، أغلبها من وسائل صينية، أن الحكومة الجيبوتية طلبت رسميّا من نظيرتها الأميركية إخلاء قاعدة "أوبوك" العسكرية التي تعتبر ثاني قاعدة أميركية في جيبوتي.

ورغم عدم صدور تعليق حول الموضوع من جانب الحكومتين الجيبوتية والأميركية، إلا أن ذلك لا ينفي أن واشنطن تتابع عن كثب التقارب الصيني الجيبوتي، وتعتقد أن وجود الأسطول الأميركي في البحر الأحمر والمحيط الهندي، قد يتعرض لمخاطر بسبب ذلك. وكان الرئيس الجيبوتي، إسماعيل عمر غلة، أعرب في مايو الماضي، عن ترحيبه بقرار الصين تأسيس قاعدة عسكرية في بلاده.

ويبدو أن الولايات المتحدة محقّة في قلقها، حيث يرى تورسي أن التناقضات بين السياسة الأميركية، ذات النزعة العسكرية، والسياسة الصينية، التي تقوم على تطوير البنية التحتية والعلمية، ستدعم الجانب الصيني وتوسّع من حظوظه في أفريقيا على المدى البعيد. فالدول الأفريقية تحتاج إلى شراكة حقيقية مع المجتمع الدولي على أساس المصالح المتبادلة، وعندما تجد البديل لن تقبل بأن تنطلي عليها حيلة الحرب على الإرهاب وأن تكون قاعدة للقوات العسكرية الأميركية التي تسوّق لنفسها باعتبارها حامية للإنسانية، مع أن الحقائق الميدانية أثبتت أنه حيثما تحل القوات الأميركية إلا وتكاثرت الميليشيات وانتشر الفقر واضطر الناس إلى النزوح وتزايد عدد اللاجئين، وتفككت أواصر الدول وقسّمت المجتمعات.

6