الحرب بـ"داعش" وغزواته

الثلاثاء 2015/11/17

أطلق مؤتمر فيينا ما يمكن اعتباره تدويلا رسميا للمسألة السورية. هذا التدويل الذي جاء تحت وقع التدخل العسكري الروسي المباشر لمصلحة النظام هناك ولمنع انهياره كنتيجة حتمية لفشل التدخل الإيراني وتدخل حزب الله، وكذلك لتداعي قوات النظام التي أنهكتها الحرب.

صحيح أن الصراع في سوريا ومنذ سنوات تداخلت فيه قوى إقليمية ودولية بشكل مباشر أو بالواسطة، إلا أن التدخل الروسي جاء ليؤكد على تدويل الصراع وبالتالي على ضرورة تدويل الحل.

غير أن ما شهده العالم منذ إطلاق الحملة الروسية على سوريا بنفس الذريعة التي تشكل تحتها التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية منذ أكثر من عام وهي الحرب على داعش، من عمليات إرهابية تبناها هذا الأخير، يؤشر إلى امتداد الصراع إلى خارج سوريا في محاولة، ربما، للتأثير على مسيرة التسويات التي انطلقت في فيينا.

فمن تفجيري أنقرة في 11 أكتوبر إلى كارثة الطائرة الروسية التي تحطمت فوق شبه جزيرة سيناء في الحادي والثلاثين منه، إلى تفجير هيئة علماء القلمون في عرسال في الخامس من نوفمبر والتفجير الذي استهدف الجيش اللبناني في عرسال أيضا في اليوم التالي، إلى تفجيري برج البراجنة في الضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني عشر من نفس الشهر وصولا إلى تفجيرات باريس يوم الجمعة في الثالث عشر من هذا الشهر، قد يرى المراقب أن تنظيم داعش يعمل على فتح جبهات واسعة خارج مناطق سيطرته والجبهات المفتوحة عليها كمحاولة للهرب إلى الأمام نتيجة للضغوط التي تمارس عليه في سوريا والعراق، هذه الضغوط التي أصبحت واقعية بسبب تباري كل من واشنطن وحلفائها مع روسيا وحلفائها في إثبات دور كل منهما في محاربة هذا التنظيم.

قد يكون هذا صحيحا بالنسبة إلى التفجيرات التي استهدفت مناطق لبنانية خاصة في برج البراجنة. هذه التفجيرات التي قد يكون الهدف الحقيقي من ورائها جر الساحة اللبنانية إلى فوضى أمنية واسعة في ظل شلل مؤسسات الدولة والنقمة المتزايدة على قوى السلطة وبالأخص على حزب الله وسلاحه وتدخله العسكري المتواصل إلى جانب النظام الأسدي ومساهمته في إطالة أمد معاناة الشعب السوري والتنكيل به إلى جانب ما يتكبده لبنان من خسائر من شبابه الذين يستدرجهم حزب الله إلى الموت في حربه على السوريين. ولكن الأدهى من كل ذلك يبقى ما يمكن أن يعتبر استدراجا للاجئين الفلسطينيين وللمخيمات الفلسطينية في لبنان إلى حرب مذهبية مدمرة من خلال الإعلان عن تورط انتحاريين فلسطينيين في تفجيري برج البراجنة على مسافة أمتار من مخيم اللاجئين الفلسطينيين والقول أن الانتحاريين قد انطلقوا من هذا المخيم.

وقد يكون في استئناف النشاط الإرهابي لداعش في لبنان وبهذه الوحشية وفي اختيار المكان والزمان محاولة لتوسيع دائرة حروبه الإقليمية وجر الساحة اللبنانية إلى الفوضى المدمرة والتي تمكن هذا التنظيم من التسلل إلى هذه الساحة للحصول على مواقع هناك في ظل الاحتقان المذهبي والطائفي الذي تتوسله قوى النظام لإدامة سيطرتها.

لكن الأمر ليس ذاته بالنسبة لـ”غزوات” داعش الأخرى في الجرائم الإرهابية المذكورة أعلاه. فتفجيرات أنقرة والطائرة الروسية في سماء سيناء (إذا ثبت تورط داعش فيها) إلى ليل باريس الدامي لا يمكن مقاربتها على أساس أنها تخضع لنفس المنطق ولو أنها جميعا تستهدف أبرياء آمنين لا دخل لهم بالصراعات في سوريا أو حول سوريا.

هذه المقاربة يؤيدها فهمنا للطبيعة التنظيمية والأيديولوجية والسياسية لتنظيم داعش. فهو شديد المركزية في مناطق سيطرته لكنه في نفس الوقت يتشكل من خلايا شبه مستقلة في المناطق البعيدة عنه. هذه الخلايا التي يتوقف انتماؤها إلى التنظيم على المبايعة، تمتلك قرارها الخاص في التحضير لجرائمها بشكل كبير ودون التنسيق مع المركز. فكل العالم دار حرب وجميع البشر مشاريع ضحايا لغزواتهم. وبالتالي يمكن لهذه الخلايا أن تضرب أينما شاءت وفي الوقت الذي تتمكن فيه من تنفيذ “غزواتها”.

لا مركزية التنظيـم وحرية حركة العناصر وحرية انتقاء الأهداف تجعل من داعش تنظيما تصعب متابعته وتطويقه وتصفية عناصره، ولكنها تجعل من السهل اختراقه واستخدامه كغطاء لحروب الآخرين باسمـه.

وإذا كانت شبكات الاستخبارات العالمية والإقليمية قد تلاقت على تسهيل نمو هذا التنظيم وتمويله وتسليحه وفي تسهيل التحاق العناصر به من مختلف بلدان العالم بهدف ضرب الثورة السورية وتحويلها إلى صراعات طائفية، فإن افتراق أهداف هذه الشبكات وأجنداتها في هذه المرحلة هو التفسير الوحيد لاختلاف المنطق الذي يحكم كلا من “غزوات” داعش في مناطق العالم المختلفة.

وهكذا، وبالتوازي مع المسار الدبلوماسي الذي تستعجله موسكو للوصول إلى صياغة حلول للمسألة السورية بما يمكنها من تحقيق أقصى ما يمكن من مصالحها، قبل أن يأفل نجم تدخلها العسكري محدود الأفق، يتم شن حرب استخبارية عالمية، إرهابية الطابع داعشية المظهر للتأثير على سير مفاوضات فيينا وغير فيينا توضع فيها مصائر آلاف الأبرياء على مذبح الأطماع والمصالح التي يستهدفها كل من قوى النظام العالمي في وجه الآخرين. وهنا يتساوى جميع المتورطين في استمرار معاناة الشعب السوري في المسؤولية عن توسيع دائرة المعاناة لتشمل باقي الشعوب وصولا إلى باريس وأبعد من باريس.

7