الحرب بين النازيين والبريطانيين تنتقل إلى حلبة الملاكمة

فيلم "خلف الخط" صراع درامي لجنود بريطانيين أسرى يحاولون الفرار.
الأحد 2020/10/04
النازيون يحوّلون الصراع مع بريطانيا إلى حلبة ملاكمة

وأنت تتحدث عن الحرب العالمية الثانية التي هزت الكون وخلّفت وراءها الملايين من الضحايا وسوّيت مدن كاملة بالأرض، لا شك أنك سوف تكون أمام دراما متكاملة الأركان، ولهذا وجدت السينما ضالّتها في إنتاج الأفلام الحربية – التاريخية التي تعرض يوميات الحرب. ولكن بعض الأفلام خيرت مقاربة الحرب من زاوية مختلفة مثلما فعل فيلم “خلف الخط”.

قوّتا الصراع مصممتان على الفوز بالحرب مهما كانت النتائج، ولهذا استخدمتا كل ما تيسر من إمكانات للوصول إلى هذا الهدف وفي المقابل، وقد تم إنتاج المئات من الأفلام عن تلك الوقائع الدامية وسوف نتذكر صورة الضابط والجندي النازي شديد الوحشية والانتقام وهو يصرح بالولاء لهتلر.

ومع ظهور فيلم “خلف الخط” للمخرج بين مولي سوف نتساءل مباشرة، يا ترى ما هي الإضافات التي سوف يحققها هذا الفيلم على ركام من الأفلام التي عالجت العديد من قضايا الحرب العالمية الثانية.

وهنا لا بد من النظر بشكل جدّي إلى حقيقة مفادها أن الفيلم الذي أنتج هذا العام قد ظهر بالتزامن مع فيلم حربي مهم وهو1917 لسام مينديس، وقبل ذلك فيلم شكّل نقطة فاصلة في الأفلام الحربية وهو فيلم “دونكريك” للمخرج اللامع كريستوفر نولان، فأين سوف يضع مخرج الفيلم موطئ قدمه وسط زحام يتسع للمئات من الأفلام التي عرضت عن تلك الحرب الكارثية.

المواجهة في الحلبة

في البدء يؤرّخ الفيلم لزحف الجيوش النازية تجاه البلدان الأوروبية وإسقاط حواضرها الواحدة بعد الأخرى وصولا إلى فرنسا وحدود بريطانيا ما يدفع الجيش البريطاني للاستعداد للمواجهة، فيقوم الجنود البريطانيون بحفر الخنادق والاستعداد للمواجهة، ثم لنتعرف على بعض الجنود الذين هم في داخل ثكنتهم ثم يواجهون فجأة غارة مباغتة تنتهي بمقتل بعضهم وانسحاب وهروب آخرين، وبسبب تداخل الحدود مع فرنسا حيث تقع المواجهات الشرسة فإن جنديين اثنين يظلان طريقهما ويبقيان يبحثان عن الطريق إلى ميناء دونكريك الإنجليزي.

ينتهي الأمر بالجنديين إلى منزل ريفي لامرأة وأبيها العجوز، ويختبآن في ذلك المنزل، ويطوق النازيون المكان.

بالفطرة العادية سوف يتبادر إلى الذهن محاولة البحث عن أي منفذ لغرض التملص من الجنود الألمان لكن الغريب في الأمر أن الجنديين يستسلمان لقدرهما، فيستعدان لتسليم نفسيهما إلى النازيين وهو ما يقع فعلا.

في هذا الفيلم المختلف تغيب ساحة القتال وغرف العمليات وصراخ الجنرالات النازيين الذين يقتفون أثر زعيمهم هتلر

داني فينيغان (الممثل سام حيتنس) هو الشخصية الرئيسية التي سوف تدور حولها الأحداث، وهو سوف ينضمّ إلى أسرى آخرين ما يلبثون أن يواجهوا الجنرالات الألمان. ويقع الاختيار على داني لخوض نزال ملاكمة، قبل ترحيلهم إلى أحد المعتقلات الألمانية.

من هنا سوف يقع تحول في الدراما الفيلمية يغير كثيرا من الاعتبارات وذلك عندما سوف يعاد إنتاج ما يشبه شخصية رامبو الذي يخوض نزالات الملاكمة بلا هوادة، ويتحول الصراع الدامي بين النازيين والبريطانيين ليس إلى معارك ضارية في الميدان بل إلى نزالات ملاكمة تروي ضمأ الجنرالات الذين يريدون إلحاق الهزيمة بداني وفوز ملاكم شرس من أبناء جلدتهم.

لا شك أن حلا دراميا كهذا بقدر ما يحمله من تشويق لمعرفة من سوف ينتصر بين المتبارين، إلا أنه لم يكن كافيا لإقناعنا بمسار تلك الدراما وكيف انتهينا من القتال الشرس في تلك الحرب الكارثية إلى مواجهة في حلبة الملاكمة.

يعمد المخرج إلى خط سردي/ درامي مواز من خلال سعي الجنود إلى الهرب نهائيا من معسكر الاعتقال ومن المستغرب هنا إظهار ضباط النازية وهم متساهلون إلى حد كبير، مما أحالنا إلى طبيعة تلك العلاقة الإشكالية التي أراد المخرج من خلالها ربما كسر الصورة النمطية المتواترة من خلال العديد من الأفلام التي تناولت هذه الثمية.

معالجة إشكالية

الفيلم يؤرّخ لزحف النازيين تجاه البلدان الأوروبية وإسقاط حواضرها الواحدة بعد الأخرى وصولا إلى فرنسا وحدود بريطانيا
الفيلم يؤرّخ لزحف النازيين تجاه البلدان الأوروبية وإسقاط حواضرها الواحدة بعد الأخرى وصولا إلى فرنسا وحدود بريطانيا

الصورة النمطية للنازي قبل وخلال الحرب العالمية الثانية موضوع آخر مواز نجد له حضورا في هذا الفيلم، فلا شك أن القسوة المفرطة والقتل المجاني والإبادة الجماعية والغطرسة والتعالي والنزعة الإجرامية وعقدة التفوق كانت كلها حاضرة في المئات من الأفلام التي تناولت هذا الموضوع ويبدو أن هذا الفيلم قد أعادنا إلى محور تلك المعالجات الدرامية التي اعتدنا عليها.

وسواء كان ما هو معروض على الشاشة شخصيات فرادى كضباط للجيش النازي أو مجاميع جنود فإن هناك خطا فاصلا لا يمكن تجاوزه، الآخرون في نظر النازي هم الأعداء الذين يجب القصاص منهم، وقبل ذلك الحذر منهم ومن تحرّكاتهم، ويبدو أولئك الجنود في العديد من الأفلام مثل بيادق شطرنج يتم تحريكها من قبل جنرالات مؤدلجين وقساة.

إننا هنا أمام معالجة إشكالية، إذ تبدو تلك الخطوط الفاصلة أكثر وهنا ولا ندري كيف ولماذا استنتج المخرج كل هذه الليونة في وسط عاصفة من الانتقام التي ضربت النازية وجيشها، حتى أذلت أغلب البلدان الأوروبية واحتقرت كبرياءها من خلال إسقاط الحواضر الأوروبية الواحدة بعد الأخرى.

في المشهد الذي تتم فيه محاصرة المنزل الريفي سوف تتأسس العلاقة بين الغزو النازي الممثل بالضباط والجنود الألمان في مقابل أفراد من الجيش البريطاني يختبئون في منزل ريفي يعود لعائلة فرنسية.

النمطية السائدة هنا هي المواجهة الحتمية مع النازيين من طرف الجنود الفارين وهو ما لم يتحقق، إذ قرر البريطانيون الاستسلام قبل أن تطلق أي طلقة، ومن جهة أخرى بدا أن قتل الرجل المسن برصاصة في الرأس فعلا خارجا عن السياق، ولم يسهم في دفع الأحداث أو تطور الصراع، فعادة ما يقوم النازيون باستجوابات قاسية وهو ما لم يتحقق هنا.

في المقابل وفي إطار تقديم شخصية نسائية واحدة ووحيدة في هذا الفيلم، فإن من الملاحظ في أفلام أخرى هو انخراط النساء في منظمات سرية وأعمال مقاومة وهو ما لم يتحقق في هذا الفيلم، شخصية شنتال (الممثلة جينيفر مارتن) هي مثال على ما يمكن البناء عليه في ما يتعلق بشخصية المرأة.

وهنا يتم بناء شخصية درامية لها دور بالغ في دفع الأحداث فلا هي تكره ولا تحب داني، الجندي الذي تسبب هو وزميله من دون قصد منهما في مقتل والدها، ولا هي تقترب من النازي، ولكنها في نفس الوقت تقوم بعملها اليومي من دون تقاطع مع النازيين وصولا إلى محاولتها قتل الجنرال النازي أثناء النزال.

ويمكننا هنا التوقف عند عدد من الأدوات والعناصر الفنية والجمالية التي تم استخدامها للنهوض بالفيلم ومن ذلك المونتاج وعناصر الحركة، ولكنها جميعا لم تشكل منظومة بصرية كافية لتجاوز العديد من الثغرات التي بدت واضحة في هذا الفيلم.

وإذا عدنا لشخصية شنتال، فهي قد شهدت مقتل والدها الذي تعيش معه وإذا بها تبقى وحيدة ومن حولها الجنود النازيون يتجولون وقد يقتلون أي أحد كما قتلوا والدها، وكل ذلك يحمل أسبابا كافية لفرارها من ذلك المكان الخطير، لكن شيئا من ذلك لن يقع، وتبقى هي تقود عربتها التي يجرها حصان وتقوم بأعمالها كالمعتاد.

الدراما الموازية

الملاكمة صراع وجودي
الملاكمة صراع وجودي

لاشك أن الحاجة إلى حبكات ثانوية قوية كانت ضرورية لدفع الأحداث إلى الأمام وتفجير أحداث أخرى لاسيما وأننا أمام صراع مكتمل العناصر بين القوتين، ومن ذلك مثلا قرار داني الهرب مستخدما عربة شنتال ومتخفيا فيها، وهو فعل يعوّل عليه في تغيير مسار الأحداث من دون أدنى شك، وها هو يتخفى في العربة وسط رفض شنتال، ثم ها هو يختبئ أسفل العربة متحملا معاناة وصعوبة الاختباء هناك، ثم ها هو يخرج من العربة ثم يسلم نفسه للجنود الألمان، هذا مثال على عبثية رسم الحبكات الثانوية ببراعة ومهارة وهو ما أثار انتقادات واسعة لهذا الفيلم من طرف العديد من النقاد والمواقع السينمائية المتخصصة.

إن جوهر الصراع في هذا البناء الفيلمي سوف يحيلنا إلى تحول سوف يشغل أغلب المساحة الزمنية للفيلم ألا وهو نزالات الملاكمة، وها هو داني يواجه ملاكما يدعمه الجنرالات النازيون، ويتحول الموضوع إلى سلسلة مشاهد حماسية بين الجنود الأسرى الإنجليز وبين النازيين، وهو تبسيط آخر سوف يمتد لمساحة أوسع من الفيلم.

الحاصل أن داني سوف يسقط خصمه من الضربة الأولى، وهو فعل فيه مبالغة قياسا لضخامة الخصم وقدراته، ثم يتواصل النزال بين الطرفين وبعد قتال عنيف ينتصر داني مما يثير حنق الجنرالات النازيين، الذين سوف يخططون لنزال آخر أشد صعوبة بجلب ملاكم ألماني عالمي من الوزن الثقيل، ولا يجد داني من سبيل إلا القبول بالأمر الواقع. وها نحن في هذه الدراما نكون قد تخففنا من مشاهد الحرب والدماء والقتال لنكتفي بنزالات الملاكمة وجولاتها المتعاقبة، إذ سوف نشهد نزالا جديدا، وكأنه كما قلنا نزاع يختصر النزاع العسكري بين بريطانيا والنازيين، بل إن النازيين أنفسهم يتيحون للجنود البريطانيين الأسرى تشجيع صاحبهم بلا قيد ولا شرط وحتى والجنرال النازي يدخل إليهم بينما هم يواصلون التدخين مسترخين ولا رد فعل من الجنرال سوى إصراره على إقامة نزال الملاكمة والتحضير له بما يكفي.

سوف تغيب في هذا الفيلم المختلف ساحة القتال وغرف العمليات وصراخ الجنرالات النازيين الذين يقتفون أثر زعيمهم هتلر وصراخه وعصبيته، كل ذلك سوف نفتقده ولن نعثر إلا على جنود مختلفين بل إن أحد الحراس النازيين لن يتردد في تمني حظ سعيد لداني، ولا نعرف بالضبط سبب تعاطفه معه على حساب ابن بلده. وإذا مضينا في هذه الدراما فلربما تكون شخصية البطل الممثلة بداني هي التي أريد تكريسها لجهة تحمّله وإصراره على الفوز، وهنا يكمن الذكاء والبطولة أيضا، أو هكذا أريد أن يصل إلى المشاهد من خلال أداء تلك الشخصية ومواجهاتها مع خصومها.

لكن السؤال الذي يمكن أن يطرح في ما يخص هذه الشخصية الدرامية الرئيسية هو أين تلك القدرات المخفية التي يمكن أن تلجأ إليها لمباغتة العدو النازي، فالحاصل أننا أمام قبول جماعي بجميع ما هو موجود أمام أولئك الأسرى وحتى محاولتهم الهروب بشكل جماعي تبدو محاولة شديدة السطحية إذ يوجه داني رسالة إلى شنتال طالبا منها أن يأتي سكان القرية الذين سوف يتم جلبهم للفرجة على نزال الملاكمة وهم يرتدون معاطف طويلة، وبعد أن يتحقق ذلك سوف يلبسها الجنود البريطانيون الأسرى ولك أن تسميها معاطف الإخفاء، والجنود النازيون من فرط انغماسهم في نزالات الملاكمة سوف يتركون مراقبة المداخل والمخارج مما يتيح الفرصة للجنود البريطانيين للهرب.

وفي ما يتعلق بسيرة الجنود وتلك اليوميات التي اعتدنا على مشاهدتها في العديد من الأفلام، حيث يتم تسجيلها من وقائع يوميات الحرب، وبما يعطي إحساسا بجماليات السير الذاتية المتشابهة لجنود في الميدان، فإن هذا النوع من السرد لم يحقق كثيرا من التراكم البصري والمعنوي الذي يشبع تلك الرغبة في الاكتشاف من مفارقات الحرب وتحولاتها. ومن جهة أخرى فإن اقتراب قصص الحرب من الواقعية والوفاء للتاريخ كان في الغالب منصبا على اختيار شخصيات حقيقية من الميدان، لكننا هنا نفتقد ذلك الإدماج ما بين الواقعي والتاريخي على الشاشة وبذلك افتقر الفيلم لعنصر إضافي يجذر الشخصيات ويمنحها أداء أعمق.

15