الحرب تحتدم بين الهيئات المنظمة لأداء الإعلام في مصر

لم يتم حسم الخلاف بين نقابة الإعلاميين المصريين والمجلس الأعلى للإعلام حول من يملك صلاحيات فرض العقوبات على الإعلاميين والقنوات الفضائية المخالفة للقانون والمعايير المهنية، ما خلف مزيدا من الفوضى في الفضاء الإعلامي لغياب الجهة المنوط بها محاسبة المخالفين.
الأربعاء 2017/08/30
غياب المحاسبة فرصة الإعلاميين للإفلات من العقاب

القاهرة – تشهد الساحة الإعلامية في مصر في الوقت الحالي نزاعًا بين نقابة الإعلاميين (تحت التأسيس) والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حول اختصاصات كل منهما، ومن يملك سلطة معاقبة الإعلاميين المخالفين، وهو ما يمثل ضربة قاصمة للجهود والقرارات التي اتخذت لضبط المنظومة الإعلامية.

وتصر كل من الجهتين، النقابة والمجلس، على أن تكون هي صاحبة الحق في عقاب الإعلامي والمحطة الفضائية التابع لها إذا ما جرى الخروج عن القواعد المهنية والأخلاقية المحددة في الميثاق الأخلاقي الذي يلزم المذيعين والقنوات بالعمل في إطار مهني وأخلاقي يعيد للمنظومة الإعلامية مكانتها.

وخلف هذا النزاع والتصريحات النارية المتبادلة، المزيد من الفوضى في الفضاء الإعلامي، لغياب الجهة المنوط بها محاسبة المخالفين، ما أدى إلى عرقلة الجهود التي تمت بفرض عقوبات على إعلاميين ومحطات فضائية.

وقال أشرف بيومي، رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون بالمعهد العالي للإعلام في تصريحات لـ“العرب”، أن استمرار الصدام بين أكبر جهتين مسؤولتين عن ضبط الأداء الإعلامي ومحاسبة المتورطين في ارتكاب مخالفات ترقى إلى “جرائم إعلامية”، من شأنه مضاعفة الفوضى الإعلامية لعدم وجود جهة واضحة تتصدى لمحدثي الفوضى الذين يأمنون العقاب والمساءلة.

ورأى أن الحل هو أن تسارع اللجنة التأسيسية للنقابة إلى فتح باب القيد لأعضائها، وأن يكون لها تشكيل رسمي وجمعية عمومية ومكان قائم ومجلس نقابة منتخب حتى تكون قراراتها قانونية ومن ثم تطبق على كل الإعلاميين.

ويبرر مسؤولو نقابة الإعلاميين أنهم الأحق برقابة البرامج ومعاقبة المتجاوزين، استنادا إلى قانون إنشاء النقابة الذي ينص على أن “تضع اللجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين لائحة تنظم طريقة عملها، وإجراءات اتخاذ قراراتها، وتتولى مؤقتًا إدارة جميع أعمال النقابة المنصوص عليها في قانون نقابة الإعلاميين”.

لكن مسؤولي المجلس الأعلى للإعلام يردون على ذلك بأنهم المجلس الشرعي لإصدار قرارات ضبط الأداء الإعلامي، وأن دور نقابة الإعلاميين يقتصر فقط على التحقيق مع العاملين في القنوات ثم ترفع توصياتها إلى المجلس لدراستها واتخاذ قرار بشأنها، على أن يكون ذلك بعيدًا عن القنوات نفسها، حيث أن النقابة لا علاقة لها بالمؤسسات بل بالأشخاص الذين يمارسون مهنة الإعلام.

استمرار الصدام بين أكبر جهتين مسؤولتين عن ضبط الأداء الإعلامي من شأنه مضاعفة الفوضى الإعلامية

وكانت لجنتا الشكاوى والتقييم الإعلامي التابعتان للمجلس الأعلى للإعلام أوصت الشهر الماضي بوقف محدد المدة لبث ثلاث قنوات فضائية (إل تي سي، والعاصمة، والنهار) بسبب مخالفات إعلامية جسيمة في عدة برامج بالقنوات الثلاث، ما اعتبر إرادة حقيقية لوقف الفوضى الإعلامية وإقصاء البرامج التي تخرج عن المعايير من المشهد الإعلامي.

بدورها قامت نقابة الإعلاميين بإيقاف الإعلامية ريهام سعيد، عن العمل لمدة ثلاثة أشهر بسبب حلقة في برنامجها “صبايا الخير” على فضائية النهار، عن الخيانة الزوجية، إلا أن سعيد رفضت الاعتراف بهذا القرار، وقالت إنه لم يجر معها أي تحقيق وأنها ستلتزم فقط بما يقرره المجلس الأعلى للإعلام، وكان المجلس قد وجه لها مجرد ” لفت نظر”.

ويقول القائمون على إدارة نقابة الإعلاميين أن رئيس المجلس، مكرم محمد أحمد، لم يقرأ قانون الإعلام الموحد جيدًا، ولا يدرك حقيقة مهمة النقابة وحدود سلطاتها، ما أدخل الطرفين في حرب كلامية أجهزت على كل القرارات التي صدرت بحق المخالفين للمعايير المهنية والأخلاقية.

لكن أحمد شدد في تصريح لـ“العرب”، على تمسكه برأيه وإصراره عليه، وقال إنه لا يحق للجنة التأسيسية لنقابة الإعلاميين معاقبة أحد لأن ذلك من صميم عمل المجلس ولجانه المعنية برقابة المحطات والبرامج الفضائية.

من جهته يتمسك حمدي الكنيسي رئيس نقابة الإعلاميين برأيه، ويقول إن قيام النقابة بتوقيع العقاب عبر لجانها التأسيسية هو من صميم عملها وفق القانون، وبالتالي فإن الحديث من جانب مسؤولي المجلس الأعلى للإعلام عن مخالفة النقابة القانون يعكس عدم دراية منهم بالحقيقة، لأن هؤلاء الإعلاميين يخضعون لسلطة ورقابة نقابتهم وليس لسلطة المجلس.

وأضاف لـ“العرب” أن هناك ازدواجية في موقف المجلس، إذ كيف يوصي بوقف برامج ومحطات ويرسل للنقابة مخاطبات للتعامل مع هؤلاء واتخاذ إجراءات ضدهم، ثم يتحدث مسؤولوه بعدها عن مخالفة النقابة للقانون إذا ما تعاملت بصرامة وتحركت نحو إعادة ضبط المشهد الإعلامي. وأشار إلى أن الحديث عن عدم قانونية إجراءات النقابة ضد الإعلاميين المتجاوزين يعطيهم الفرصة لتجاهل قراراتها والسير في اتجاه فوضوي يرفضه الجميع. ورأى متابعون أن المستفيد الوحيد من هذا النزاع هم مقدمو البرامج والقنوات التي تتخذ من الإثارة والخروج عن الأعراف والمعايير وسيلة للشهرة وزيادة نسب المشاهدة، ما يزيد من غضب وإحباط المشاهدين والحكومة معًا.

وكان الرأي العام المصري قد تحمس وأيّد قرارات وقف الإعلاميين الخارجين على المعايير المهنية، ومن هؤلاء مذيعة استنشقت مادة على الهواء قالت إنها مخدر الهيروين، وأخرى استضافت زوجة وعشيقها وراحت تقنع الزوج بتطليق زوجته وتركها لعشيقها، فضلا عن إعلامي رابع ترك ضيوفه يتبادلون الضرب بالأحذية على الهواء دون إنهاء الحلقة.

18