الحرب تطرد الأفغان إلى الجانب المظلم من كابول

عشرات الآلاف من الأسر الأفغانية الفارة من الاقتتال في المناطق الشمالية والجنوبية للبلاد تعاني من الفقر وفقدان البيت في كابول.
الخميس 2021/02/25
الأطفال تائهون

كابول- في الشطر الشرقي من العاصمة الأفغانية كابول وعلى بعد بضعة كيلومترات فقط من المقاهي الراقية والفنادق الفاخرة يمكنك أن ترى مجموعات من الأسر لا تعرف سوى الفقر والحرمان والبؤس معظم حياتها.

وسعى عشرات الآلاف من الأشخاص المنتمين إلى هذه المجموعات للعثور على المأوى في كابول، هاربين من الاقتتال الجاري بين القوات الحكومية وحركة طالبان في المناطق الشمالية والجنوبية من البلاد، أو فارين من التهديد المتزايد من جانب ميليشيات تنظيم داعش في المناطق الشرقية.

وليست لديهم آمال كبيرة في مناطق الجوار التي يعيشون فيها ويسمونها وطنهم، بعد أن نزحوا تاركين بيوتهم خوفا من المعارك الدائرة التي أحكمت قبضتها على أفغانستان على مدار عدة أعوام دون أن تلوح في الأفق نهاية لها.

ويعيش ياسر الذي يبلغ من العمر ثماني سنوات في مخيم للاجئين مع أسرته في كابول، وفي المكان الضيق الذي تبلغ مساحته عشرة أمتار ويقيم فيه سبعة أشخاص توجد على الأرضية سجادة والقليل من البطانيات بينما لا يوجد مصدر للتدفئة.

وليست المدرسة خيارا متاحا لياسر؛ فهو يستيقظ من النوم كي يستعد للقيام بجولة في الشوارع سعيا لجمع العلب والقوارير الفارغة، وعن برنامج نشاطه اليومي يقول ياسر “إنني أبيعها (العلب والقوارير الفارغة) وأشتري بثمنها الخبز”.

الحرب تحرم الأطفال من التعليم
الحرب تحرم الأطفال من التعليم

وإذا ابتسم الحظ لياسر في عمله اليومي يحصل على ما يوازي 64 سنتا، وأجبره فقر أسرته المدقع على التخلي عن مزاولة الدراسة والتركيز على المشاركة في إطعام أفراد العائلة.

أما والده ناصر فيقول إن “الحياة رغم ما يعتريها من مصاعب بالغة كانت تسير بشكل طبيعي في ضاحية خوجياني بمقاطعة نانجارهار الشرقية، إلى أن بدأت ميليشيات داعش تطلب منه أن يخبرها عن الأماكن التي يقيم فيها الأشخاص الذين يتعاونون مع الحكومة”.

ويعود ناصر الذي يبلغ من العمر 35 عاما بذاكرته إلى الوراء قائلا إن “ميليشيات داعش أحرقت منازلنا بسبب رفضنا التعاون معها، ثم هربنا أثناء الليل وجئنا إلى كابول”، ولا يزال اليوم الذي ترك فيه قريته منذ أربعة أعوام -ولم يعد إليها أبدا- ماثلا في ذاكرته.

ويعاني ناصر من إعاقة بإحدى ساقيه، بعد أن قصفت الطائرات الأفغانية قريته منذ بضع سنوات، حيث كانت الطائرات تستهدف مقاتلي طالبان في المنطقة. وتعيش أسرته داخل مخيم بالضاحية الثامنة التابعة للشرطة بكابول، كما هو الحال مع عشرات الأشخاص النازحين هربا من المقاطعات التي وصلت إليها المعارك مثل قندهار وهلمند.

وأشار تقرير -أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة عام 2020- إلى أن أكثر من 24 ألف شخص نزحوا داخليا بسبب الصراع في نانجارهار عام 2019.
وأوضح التقرير أن نحو 380 ألف شخص نزحوا من منازلهم في جميع مناطق أفغانستان، ويمثل الأطفال ثلثي هذا العدد، ويأتي معظم النازحين من مقاطعتي كوندوز الشمالية وهلمند الجنوبية، على الرغم من أن جميع المقاطعات الأفغانية التي يبلغ عددها 34 تأثرت بالمعارك. وأضاف التقرير أنه مع استمرار رحى الحرب وتزايد معدلات الفقر لن تكون أمام الأشخاص النازحين فرصة كبيرة للعودة إلى بلداتهم.

وتنحدر قادري جول (50 عاما، أم زوجة ناصر) من ضاحية تاجاب الكائنة شمال شرقي مقاطعة كابيسا. وقد تركت بيتها بسبب أعمال العنف المتصاعدة في الضاحية، ولحقت بناصر في خوجياني، وتصف ظروف معيشتها الحالية في كابول قائلة “ليس لدينا أي بطانيات، كما أن المكان الذي نقيم فيه خال تماما من الأثاث، ونشعر فيه بالبرد القارس”.

380 ألف شخص نزحوا من منازلهم في جميع مناطق أفغانستان ثلثهم من الأطفال
380 ألف شخص نزحوا من منازلهم في جميع مناطق أفغانستان ثلثهم من الأطفال  

وتقدمت الأسرة عدة مرات بطلب إلى الحكومة للحصول على معونة عاجلة، غير أن الحكومة ردت بقولها إن أفراد الأسرة ليسوا من السكان الدائمين بالعاصمة، ولذلك فإنهم غير مستحقين للمعونة.

وإلى جانب الفقر وفقدان البيت عانت هذه الأسرة النازحة من آلام أكثر عمقا. وتقول زهرة زوجة ناصر إنه أثناء تواجدهم في ضاحية خوجياني ذهب ابنها الأكبر لجمع الحشائش ولم يعد إلى البيت.

وتوضح زهرة أن ميليشيا تنظيم داعش قطعت رأسه، وتقول وهي تبكي وتستعيد ذاكرتها اليوم الذي قتل فيه ابنها “كان الموقف صعبا، ولكن الله ساعدنا على تجاوز الألم”. ومن الواضح أن العودة إلى القرية ليست خيارا متاحا أمام ناصر.

وقرر ناصر وأسرته البقاء في كابول على أمل أن تكون الحياة فيها أفضل، على الرغم من أن المستقبل ليس واضحا بالنسبة إلى الأسرة. كما تساعد الابنة سلمى التي تبلغ من العمر 12 عاما أسرتها على تحصيل تكاليف المعيشة عن طريق العمل، مثلها في ذلك مثل أشقائها. وتتمثل أكبر أمنياتها في العودة إلى المدرسة مرة أخرى، وهي تحلم بأن يأتي اليوم الذي تعيش فيه ببيت لائق “يحتوي على سرير للنوم عليه وبطانية”.

20