الحرب تقاتل الرياضة في دول الربيع العربي

إن ممارسة الرياضة بشكل يومي، لها فوائد جسدية وفكرية كبيرة، وممارسة الرياضة سواء كهواية أو احتراف تؤدي إلى تعزيز التفاؤل والتجديد والإصرار على المتابعة، وتطرد اليأس والسوداوية اللذين لا يفيدان بشيء إلا تعزيز الشعور بالإحباط، لكن ما حال الرياضيين في البلدان التي تعيش عدم الاستقرار بسبب الحروب والاضطرابات الداخلية كما هو الشأن في اليمن وليبيا والعراق وسوريا؟
السبت 2016/08/06
من بطل إلى معاق

لندن - تأتي الحرب على الأخضر واليابس والبنيان والبشر، فلا تستثني أحدا ولا شيء حتى تقضي عليه، وفي البلدان العربية التي أصابتها سموم رياح الربيع العربي، دفعت منشآت رياضية معها لاعبون ومدربون وكل ما يتعلق بالرياضة ثمنا باهظا، في حين أن لا علاقة لهؤلاء بالحرب.

وفي السنوات الأخيرة شهدت العديد من الدول مثل اليمن وسوريا والعراق وليبيا صراعات وحروبا، فهرب العديد من الرياضيين من لظى الصراعات المسلحة التي حولت الملاعب الرياضية إلى مخازن للسلاح وساحات لتنفيذ الإعدامات. ولأول مرة في التاريخ تسنح الفرصة للاجئين بالمشاركة في الألعاب الأولمبية بمنتخب مستقل مكون من 10 لاجئين رياضيين من بلدان مختلفة سيتنافسون تحت العلم الأولمبي في ريو 2016 ولن يمثل أي منهم بلده الأصلي، ويتكون الفريق من 5 سوريين و5 من جنوب السودان واثنين من جمهورية الكونغو الديمقراطية وواحد من إثيوبيا.

وتشير تلك المشاركة الرمزية لفريق اللاجئين، إلى اهتمام دولي واسع بأزمة تفاقمت خاصة خلال عام 2015، مع اشتداد حدة صراعات الشرق الأوسط ورغبة الملايين في الوصول إلى أراض أكثر استقرارا، لبدء حياة جديدة كريمة تليق بإنسانيتهم، لكن الباقين اختاروا البقاء في بلادهم يواجهون مصيرا غامضا وبعضهم فقد حياته وآخرون يحاولون التعايش مع الإعاقات الناتجة عن القصف أو التعذيب.

وزود فريق اللاجئين بزيّ رسميّ خاص به ومدرّبين وأفراد طاقم ومسؤولين عن الفريق عيّنتهم اللجنة الدولية الأولمبية، ومعاملتهم ستكون على قدم المساواة مع كل الفرق العالميّة الأخرى وسيعيشون جميعا ضمن القرية الأولمبية.

ملاعب اليمن ركام من تراب

تسببت الحرب التي تدور رحاها منذ عامين في اليمن بين القوات الموالية للحكومة من جهة، ومسلحي الحوثي وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح من جهة أخرى، في دمار هائل طال البنية التحتية في البلاد، من بينها العديد من المنشآت الرياضية، مثل الملاعب ومقرات الأندية، ما أدى إلى إيقاف الحركة الرياضية في اليمن بشكل كبير. واتخذت الميليشيات وقوات صالح من الملاعب والصالات مخازن للسلاح والذخائر، ما جعل المنشآت الرياضة معرضة للدمار.

360 رياضيا مقعدا بينهم بطل العالم في الملاكمة ناصر الشامي، خلفهم الصراع المسلح في سوريا

ودمرت الحرب العشرات من المباني والمنشآت الرياضية في مختلف المحافظات اليمنية بينها ملعب الثورة والصالة الرياضية بالعاصمة صنعاء، وملعب 22 مايو والصالة الرياضية بعدن، و22 مايو في مدينة إب وسط البلاد، وملعب الوحدة بمحافظة أبين جنوبا. كما قُتل 10 رياضيين يمنيين خلال الحرب، أبرزهم عبدالله عارف، حارس مرمى نادي الشعلة بعدن ومنتخب الشباب.

وقال عزام خليفة، مدير عام مكتب وزارة الشباب والرياضة بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، إن “الحرب دمّرت أشياء كثيرة، ليس على مستوى الرياضة فقط، بل على جميع المستويات”. وأضاف خليفة، المدرب الأسبق للمنتخب اليمني لكرة القدم، أن “الدمار الذي أحدثته الحرب طال الإنسان كما البنية التحتية، وهناك الكثير من الدمار خاصة في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى”. إلا أن المسؤول الرياضي استدرك قائلا إن “أبناء البلد، سيتمكنون من تجاوز المحنة الحالية، وإعادة الحياة العامة إلى طبيعتها”.

وحول الجهود المبذولة في الوقت الراهن لاستئناف الحركة والنشاط في مجال الرياضة، أوضح خليفة قائلا “نعمل بكل ما نملك من جهد، وبدعم من قبل السلطة المحلية، لتطبيع الحياة الرياضية، من خلال إقامة بطولات ومسابقات رياضية، منذ اليوم الأول لدحر الانقلابيين من عدن”.

وأشار خليفة إلى أنه كان هناك تعاونا كبيرا بين وزارة الشباب والرياضة ومحافظ عدن السابق جعفر محمد سعيد (قتل في تفجير استهدف سيارته بداية ديسمبر الماضي)، وأن التعاون متواصل مع المحافظ الحالي عيدروس الزبيدي، من أجل تأمين إقامة المسابقات الرياضية.

وأردف بالقول “بعد الدمار الذي طال كل شيء في اليمن، علينا أولا إعادة الحياة إلى طبيعتها، من خلال توفير الأمن والأمان والحياة الطبيعية للمواطنين، وبعدها يمكن الحديث عن دور الجوانب الإبداعية ومنها الرياضة”.

مخلفات الصراعات

شقاق الرياضيين السوريين

أرخت الأزمة المستمرة منذ سنوات في سوريا بظلالها الثقيلة على الرياضة في البلاد ومسابقاتها، وقسَّمت الرياضيين ما بين مؤيد للنظام ومعارض له، فيما تسبب الصراع المسلح والقصف الجوي والبري في قتل الكثير من الرياضيين، بينهم أبطال حققوا إنجازات على مستوى العالم. وحسب تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن الحرب الدائرة في سوريا أسفرت عن مقتل أكثر من مئتي رياضي، بينهم بطل سوريا في كرة الطاولة للمقعدين عبدالكريم كراكوز، وبطل العالم في المصارعة الحرة صبحي سعدو العبد، ولاعب كرة اليد عاطف الرجاء المسالمة، ولاعب كرة القدم عقبة عاشور، ولقي أحد لاعبي فريق الوثبة السوري مصرعه في 2015، فيما أصيب عدد من زملائه، إثر سقوط قذيفتي هاون على ملعب مدينة “تشري” الرياضية، الواقعة بالعاصمة السورية دمشق، وذكر التقرير أن رياضيين قُتلوا تحت التعذيب في المعتقلات السورية.

وبحسب التقرير الذي صدر في 2014، خلفت العمليات العسكرية 360 رياضيا مقعدا بينهم بطل العالم في الملاكمة ناصر الشامي، وبطلة سوريا في الشطرنج رانيا محمد العباسي.

وتوقفت الدوريات المحلية في سوريا لفترات طويلة وما استؤنف منها كان لدواع سياسية، وتعذرت إقامة المباريات من النواحي الأمنية، وأثر التوقف عن التدريب على مستوى اللاعبين وعاد أغلبهم إلى مدنهم، وهو ما حال دون مشاركتهم في البطولات الخارجية.

ومن الرياضيين من رفض ما يجري في بلاده من دمار للبنية التحتية وقتل للأبرياء، فعزف عن اللعب، والبعض الآخر من اللاعبين انشق وذهب إلى الخارج. وإزاء هذا الانقسام ستكون مشاركة الرياضيين السوريين في أولمبياد ريو دي جانيرو منقسمة؛ فشق يشارك مع النظام السوري والشق الآخر يشارك مع منتخب اللاجئين.

الصراع الدائر في اليمن يدمر العشرات من المباني والمنشآت الرياضية في مختلف المحافظات ويتسبب في مقتل 10 رياضيين يمنيين خلال الحرب

فساد الإدارة في العراق

يعاني العراق منذ سنة 2003 من التدهور الأمني الذي ألقى بظلاله على النشاط الرياضي والبنية التحتية الرياضية في المدن العراقية، ما خلف أزمة حقيقية لهذا القطاع وتراجعا في تحقيق النتائج الرياضية في المحافل العربية والآسيوية.

ويبدو أن الفساد السياسي والإداري الذي تعاني منه البلاد قد أثر على إدارة الفرق واللجان الرياضية المهتمة بتسيير الشؤون المالية للفرق الرياضية.

ويعزو وزير الشباب والرياضة عبدالحسين عبطان تراجع وغياب بعض الألعاب الرياضية إلى الظروف الحالية التي يمر بها العراق، لافتا إلى أن “الوزارة لا تمتلك التخصيصات المالية الكافية لتحسين المستوى الفني والارتقاء به إلى حالة أفضل تليق بمستوى الطموح الذي نسعى إليه”.

وأضاف “إن من أهم أسباب هذا التراجع في بعض الألعاب الرياضية ضعف المنشآت الرياضية والإدارة غير الناجحة في بعض الاتحادات الرياضية”، مؤكدا أن “هذا الأمر نوقش مع رئيس اللجنة الأولمبية العراقية رعد حمودي وبعض أعضاء المكتب التنفيذي في اجتماع اللجنة التنسيقية العليا، وكان رعد حمودي ممتعضا من أداء بعض الاتحادات”.

وأضاف عبطان أن “علينا تشخيص أخطاء المرحلة السابقة وتلافيها مستقبلا لأن اتحادات رياضية كالمصارعة والأثقال وألعاب القوى حققت نتائج جيدة في مشاركاتها الخارجية، بينما يقع على الاتحادات الأخرى وضع رؤية وخطة عمل لانتشال الواقع الذي تعيشه إلى مرحلة البناء الحقيقي”.

ولم يخف عبطان اعتماد وزارته على الشركات والمؤسسات الراعية في أغلب الأنشطة التي أقامتها مشيرا إلى “أن التحديات التي أمام وزارة راعية للرياضة كبيرة جدا”، داعيا إلى استثمار الخبرات الشبابية في المؤسسات الرياضية من أجل تقليل الفجوة مع الدول المتقدمة في المجال الرياضي.

وبشأن الدعم الذي تُقدمه وزارة الشباب والرياضة في إقامة البطولات الرياضية، لفت وزير الشباب والرياضة إلى أن “وزارته نظمت بطولات في ألعاب القوى والملاكمة وتكفلت بمعسكرات تدريبية لمنتخبات العراق في كرة السلة.

منتخب اللاجئين في الأولمبياد يفوز على الفرق الرسمية

ودعمت مشاركة منتخب العراق بكرة الطائرة في بطولة أغادير في المغرب ومشاركة العراق في بطولة العالم بألعاب القوى المقامة في كولومبيا، فضلا عن فتح قاعات وملاعب لأغلب الاتحادات الرياضية كاليد والسلة والطائرة والجودو والمبارزة وغيرها”.

ومن جانبه أقر رئيس الاتحاد العراقي للكرة الطائرة مناف فاضل بصعوبة إيجاد توازن من قبل اللجنة الأولمبية بين الألعاب الرياضية، إذ تعطي اللجنة الأولمبية الأولوية لاتحاد كرة القدم دون غيره كاتحاد الكرة الطائرة، على حد قوله، ولفت إلى أن “الشارع الرياضي والإعلام يتحكمان بمدى أهمية أي من الألعاب الرياضية، فلعبة كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العراق تفرض نفسها على الألعاب الرياضية كافة من حيث الاهتمام”، داعيا اللجنة الأولمبية إلى الاهتمام بالألعاب دون تفضيل إحداها على الأُخرى وإيجاد توازن بين الاتحادات كافة.

ولم يسلم النشاط الرياضي في ليبيا من الفوضى السياسية وانتشار الجماعة المسلحة والمتطرفين، مما أثر على النشاط الرياضي في البلاد حيث تشارك بأصغر عدد من الرياضيين في دورة الألعاب الأولمبية في البرازيل.

20