الحرب تنهي مستقبل زراعة القطن الاستراتيجية في سوريا

وضعت الحرب المستمرة في سوريا منذ ست سنوات حدا لمستقبل زراعة القطن التي كانت من أهم المجالات الاستراتيجية التي تحقق إيرادات كبيرة للدولة. ويقول خبراء إن الإنتاج انخفض إلى أدنى مستوياته والقطاع مهدد بالاندثار جراء الوضع المتدهور الذي تمر به البلاد.
الثلاثاء 2017/04/11
مهدد بالانقراض

لندن- أكد خبراء اقتصاد لـ“العرب” أن تداعيات الأزمة العسكرية في سوريا انعكست بشكل كبير على الزراعة والأمن الغذائي وتحديدا في مجال زراعة القطن حيث تراجع الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة. ونشرت مجموعة عمل اقتصاد سوريا تقريرا مفصلا عن زراعة القطن في سوريا التي كانت تحظى باهتمام المزارعين والمصنعين السوريين.

ووثق التقرير حالات حرائق أصابت المحاصيل القطنية نتيجة القصف الجوي والمدفعي، فقد احترق في العام 2015 أكثر من 50 ألف طن في محافظة الحسكة. وتشير تقديرات إلى أن إنتاج القطن انخفض من مليون طن في عام 2010 إلى 150 ألف طن في عام 2014.

أسامة قاضي: سياسات الحكومات السورية المتعاقبة الخاطئة أثرت كثيرا على زراعة القطن

ويقول التقرير إن معظم محالج القطن توقفت عن العمل واحترقت مستودعاتها لذات الأسباب إضافة إلى الحرائق المتعمدة والمرتبطة بالفساد، وهناك العديد من المزارعين في منطقة الغاب وغيرها حُرِموا من جني المحصول. وقال الأكاديمي والمستشار الزراعي عبدالعزيز ديوب معد التقرير في تصريح لـ“العرب” إن “القطن يحتل مكانة هامة وحيوية في البيئة الزراعية السورية”.

وأضاف إن “حوالي 20 بالمئة من الأيدي العاملة السورية تعمل في زراعته وتصنيعه، كما أنه يزرع على مساحات شاسعة تقدر بحوالي 200 ألف هكتار تنتج حوالي 800 ألف طن سنويا”.

وقدر ديوب الناتج الفعلي للهكتار الواحد بنحو 4 أطنان من القطن وقد ينخفض إلى طنين تبعا لأحوال المناخ والإصابات المرضية، وخـاصة الحشـرات مثـل دودة القطـن وغيـرهـا. ويعتبر القطن السوري مرغوبا في الأسواق العالمية وخصوصا القطن العضوي الذي يتم إنتاجه من بذور منتجة من محصول عضوي ومعقمة حراريا وليس بالأشعة.

ويقول أسامة قاضي رئيس المجموعة إن مساحة الأراضي المزروعة من القطن في سوريا تجاوزت 181 ألف هكتار، إلا أن نسبة إنتاج القطن السوري من الإنتاج العالمي على مر السنين بالكاد يصل إلى 0.01 بالمئة من إنتاج العالم.

وأكد القاضي أن الحكومات السورية المتعاقبة تعد القطن زراعة استراتيجية رغم أنه يحتاج كميات مياه هائلة أكثر من أيّ زراعة أخرى. ولم يصل إنتاج سوريا على سبيل المثال أكثر من 349 ألف طن عام 2005-2004 (وصل عام 2000 إلى مليون طن) بينما كان إنتاج العالم 23 مليون، طن وفق إحصائيات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي.

وتراجعت صادرات القطن بشكل ملحوظ منذ بداية الأزمة في البلاد حيث بلغ الإنتاج نحو 59 ألف طن في الفترة بين 2010 و2012، في حين بلغ 132 ألف طن في الفترة الفاصلة بين 2003 و2005.

وانخفضت نسبة مسامة القطن غير الممشط من إجمالي الصادرات الزراعية السورية في الفترة بين 2010 و2012 لتبلغ 2.4 بالمئة، مقابل مساهمة قدرها نحو 5.2 بالمئة في فترة ما بين 2003 و2005.

عبدالعزيز ديوب: حوالي 20 بالمئة من الأيدي العاملة السورية كانت تعمل في زراعة القطن

ويرجع خبراء القطاع السبب في تراجع صادرات القطن إلى تشجيع المعامل المحلية لتصنيع القطن والاستفادة من القيمة المضافة، وإلى تراجع الإنتاج نتيجة سياسات الحكومة القاضية بتخفيض المساحات المزروعة وذلك بهدف ترشيد استخدام المياه.

وقدّر ديوب إنتاج محافظة الحسكة من القطن بنحو 40 بالمئة من الناتج الكلي تليها محافظات الرقة ودير الزور وحلب وحماة. ومن المعروف أن القطن يُزرع في محافظة حماة على مساحات واسعة تساعد في استخدام التقنيات الحديثة وخاصة الريّ والقطاف الآلي والذي احتل أهمية كبيرة في الآونة الأخيرة.

وتكمن أهمية التقرير الاقتصادي في أنه يبحث في الخارطة الزراعية لسوريا والتي تبحث بجرأة في صحة اعتبار القطن زراعة استراتيجية. ويقول ديوب إن حكومات بلدان العالم عادة ما توفر القروض بتسهيلات مصرفية وتخفيض أسعار مستلزمات الزراعة من أسمدة ومبيدات، بينما الحكومة السورية لم تقم بذلك مما أدى الى تهجير أكبر عدد من المزارعين ثم تم الاستيلاء على أراضيهم.

والمزارع ملزم قانونياً بتسليم محصوله إلى هيئة تسويق وحلج الأقطان ومن ثم يقبض قيمته من المصرف الزراعي الذي بدوره يقوم باسترداد القرض الممنوح له مع الفوائد تبعا لشروط القرض.

ويرى الخبير الزراعي ديوب أن ما تعانيه سوريا من ظاهرة الجفاف أثر على إنتاج المحاصيل الزراعية، علاوة على استمرار الحرب، لكن سوريا تكبدت خسائر أخرى في القطاع بسبب المضاربة التي اعتبرها البعض نوعا من الفساد.

وبلغ إنتاج القطن محلوجا قبل العام 2011 حوالي 240 ألف طن، وقد تم تحويل حوالي 40 ألف طن إلى معامل الغزل وتصدير حوالي 200 ألف طن، حيث خضعت تلك الكمية لمضاربات البورصة، ما تسبب في خسائر تقدر بنحو مئتي مليون دولار.

وليست تلك العوامل وحدها التي أثرت على صناعة القطن، فنتيجة لإجراءات التأميم من قبل الحكومة، هاجر العديد من أصحاب المعامل المؤممة وخاصة إلى مدينة مانشستر البريطانية، وهناك أنشأوا مصانع نسيج ما أدى إلى ازدهار هذه الصناعة لجودة النسيج السوري.

11