الحرب على الأصولية تبدأ بتجديد الخطاب الديني

الأحد 2015/02/01
المؤسسة الدينية التقليدية في حاجة إلى إصلاح داخلي وتواصل مع المؤسسة السياسية والمجتمع المدني

التطرف والعنف والإرهاب، ثلاثة محاور شائكة، أضحت تؤرق المجتمعات وصناع القرار في الوطن العربي والإسلامي خاصة، والعالم عموما، لطالما ركزت عليها مراكز البحوث والهيئات الرسمية العربية والمؤسسات الدولية من أجل الوقوف على مدى استفحالها خاصة لدى فئة الشباب وتحولها إلى ظاهرة، تهدد بنسف المفهوم القيمي المتعلق بحقوق الإنسان الكونية وتؤسس إلى منطق من الفوضى من شأنه أن يعصف بكل المكتسبات.

لا يكاد العالم يتلقط أنفاسه من خبر حادثة إرهابية، حتى يهتزّ على وقع حاثة أخرى، فيمكان مختلف عن الأولى وبطريقة أكثر دمويّة وعنفا، وبين الحادثتين يتابع أخبارا يومية عمّا ترتكبه الجماعات الإرهابية في العراق وسوريا وليبيا ونيجريا وغيرها.

تواتر العمليات الإرهابية وارتفاع منسوب العنف فيها يرفع من ناقوس التحذيرات حول مخاطر تمدّد الإرهاب، الذي لم يعد يقتصر على “مدنه التقليدية”، بل بات أكثر نشاطا في أماكن أخرى من العالم، كانت تعتقد في يوم ما أنها محصّنة ضد الإرهاب.

في الأشهر الثلاث الأخيرة، وقعت مجموعة من الحوادث الإرهابية، في كندا وأستراليا وفرنسا ومصر وليبيا ، هذا بالإضافة إلى الممارسات اليومية في سوريا والعراق. هذه المناطق ولئن كانت متباعدة جغرافيا فإنها تلتقي عند نقطة مشتركة وهي الخطر من الإرهاب الذي بات عابرا للقارات، ويستوجب مراجعة أسباب فشل الخطط والاستراتيجيات التي كان من المفترض أن تقضي عليه أو تحدّد رقعته الجغرافية على الأقل.

وفي الفترة الأخيرة انعقدت ندوات ومؤتمرات دولية رسمية أخرى نظمتها منظمات المجتمع المدني تسلّط الضوء على أسباب انتشار الفكر الجهادي المتطرّف، وكيف وصلت هذه الأيديولوجيا، خصوصا، إلى التغلغل في أعماق المجتمعات الغربية، المعروفة بتفتّحها.

وعلى ضوء هذا الخطر، صنّفت دول عربية وغربية التهديد الإرهابي ضمن المخاطر التي تهدّد الأمن القومي للدول. وكان وزراء الدفاع العرب أصدروا قرارا في سبتمبر الماضي يتعلّق بحماية وصون الأمن القومي ومكافحة الإرهاب، والذي أكد على ضرورة المواجهة الشاملة للإرهاب عسكريا وأمنيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا وإعادة النظر في الخطاب الديني لمواجهة الجماعات المتطرفة.

ويركّز الخبراء، على هذه النقطة الأخيرة، المتعلّقة بدور المؤسسات الدينية في المجتمعات العربية التي لم تعمل على تحيين خطابها وتطويره بما يلامس حاجيات شباب هذا العصر. في هذا السياق، يشير الباحث السعودي سعود السرحان إلى أن أحد الأسباب التي أدت إلى انتشار جماعات التطرف والإرهاب في السنوات الأخيرة هو ضعف الدول العربية وضعف مؤسساتها من الناحية السياسية والاجتماعية والدينية. وقال إن “جميع المؤسسات الدينية التقليدية في العالم العربي أصيبت بوهن أدى إلى ظهور مؤسسات بديلة تمثّلت في هذه الجماعات المتطرفة، وقد تكون هناك أسباب اقتصادية واجتماعية وفكرية، لكن دائما ما يتم حصارها ومعالجتها داخل منظومة الدولة القائمة، لكن ضعف المؤسسات الدينية أدى إلى ظهور هذه الجماعات على السطح ومن ثمة انتشارها".

من أسباب انتشار جماعات التطرف والإرهاب في السنوات الأخيرة هو ضعف الدول العربية وضعف مؤسساتها من الناحية السياسية والاجتماعية والدينية

وأشار السرحان، في حوار لـ”العرب”، على هامش “مؤتمر نحو استراتيجية عربية شاملة لمواجهة التطرف” الذي عقد مؤخّرا بمكتبة الإسكندرية، إلى أن المؤسسة الدينية يمكنها تقديم خطاب ديني معتدل، إذا استطاعت مؤسسات مثل هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والأزهر الشريف بمصر والمؤسسة الدينية في المغرب مثلا التوحد وتقديم خطاب متّفق عليه.

وقال “المؤسسة الدينية التقليدية في حاجة إلى إصلاح داخلي وإعادة بناء وأيضا تحتاج إلى تأييد ودعم سياسي، وتعاونها فيما بينهما، فكل مؤسسة مستقلة الآن تسبح في بحر مستقل بعيدا عن المؤسسات الأخرى، يجب أن يكون هناك تعاون بينها. والأمل في هذا التوحد يكون بوعي القائمين على قيادات هذه المؤسسات ودعم القيادات السياسية لهذا العمل، أي لا بد أن يكون هناك دعم ودفع سياسي لهذا التوجه".

كشفت السنوات الأربع الأخيرة عن هجمة أشد عنفا وأشد إجراما تسعى إلى تفتيت الدولة والمجتمع ضمن تجمعات متطرفة أصبحت هي ذاتها تطلق على نفسها مسمّى دول. لذا فالمعركة مع التطرف، وفق السرحان، لا تكون فقط من خلال مواجهة أمنية مع المجموعات المتورّطة ومعاقبة أصحابها، فهذا الأمر مع أهميته ليس سوى جزء يسير من حرب أكبر وأشمل، إنها الحرب على العقول والقلوب وتحصينها من تسرب الأفكار المتطرفة والهدامة، وإنّ خط الدفاع الأول القادر على تجريم هذه المجموعات المتطرفة في شرعيتها المزعومة وبيان تهافت حججها وسخف مقولاتها هم العلماء التقليديون الذين يمثلون الامتداد الحقيقي لفقهاء الإسلام الذين واجهوا أسلاف هؤلاء الإرهابيين وقارعوا حججهم ودحروا مخططاتهم على مدى خمسة عشر قرنا، وهم المشار إليهم في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".

جميع المؤسسات الدينية التقليدية في العالم العربي أصيبت بوهن أدى إلى ظهور مؤسسات بديلة تمثّلت في هذه الجماعات المتطرف

يشدّد الباحث سعود السرحان على الرؤية التي تعتبر أن تحيين المؤسسات الدينية التقليدية وإعادة بناء الفكر الديني شرط أساسي في الحرب الوطنية والإقليمية والدولية على الإرهاب. وقد وضع السرحان، في هذا السياق، شروطا رئيسية لإنجاح عملية التغيير هي:

- أوّلا: استوعب الفقهاء والعلماء التجربة التاريخية للأمة وما مرّ بها من أحداث وما ظهر بها من فرق وطوائف، لذا فهم الحق والأعرف بتحديد الإسلام المعتدل والوسطي وليس غيرهم من جماعات الإسلام السياسي أو مراكز الفكر الغربية.

- ثانيا: من الضروري قبل الحديث عن إعادة بناء الفكر الديني ومطالبة هذه المؤسسات الدينية بمحاربة هذه المجموعات المتطرفة أن يتم العمل على إعادة بناء المؤسسات الدينية التقليدية في العالمين العربي والإسلامي وصيانتها وإعادتها إلى مكانتها المرموقة في المجتمعات الإسلامية.

- ثالثا: من الضروري أن ترافق دعم المؤسسات الدينية التقليدية ودور الإفتاء جهود جبارة لإصلاح هذه المؤسسات لتكون أكثر انفتاحا واستيعابا، لأن أمثال هذه المشروعات الإصلاحية لا بد أن تكون نابعة من داخل المؤسسات الدينية التقليدية نفسها وغير مفروضة عليها من الخارج، كما يجب أن تحظى بدعم الحكومات العربية ومشاركة ذوي العلم والرأي من خارج المؤسسة الدينية في وضع الخطط والبرامج الإصلاحية.

- رابعا: ضرورة التعاون بين المؤسسات الدينية الرسمية فيما بينها لأن التنسيق العملي بين هذه المؤسسات والنقاشات التي تجري بين علماء هذه الدولة وتبادل التجارب والخبرات سيكون له تأثير كبير في انفتاح هذه المؤسسات أولا وتنسيق أعمالها في مواجهة التطرف والإرهاب ثانيا، ولْيَكن شعار هؤلاء العلماء في لقاءاتهم “نعمل فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

- خامسا: انفتاح هذه المؤسسات الدينية التقليدية على مؤسسات المجتمع الأخرى الفكرية والثقافية والأكاديمية مهمّ جدا لإثراء هذه المؤسسات وانفتاحها على المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية، كما سيكون مفيدا في مخاطبة الشباب بلغتهم التي يفهمونها والوسائل التي يعرفونها.

- سادسا: المؤسسات الدينية الرسمية وعلماؤها هم القادرون على إسقاط الشرعية عن جماعات الإسلام السياسي وبيان خروجها عن الإسلام الصحيح وأنها مجموعات منحرفة تقتل الدنيا بالدين.

المؤسسات الدينية الرسمية وعلماؤها هم القادرون على إسقاط الشرعية عن جماعات الإسلام السياسي

- سابعا: ضرورة قيام المؤسسات الدينية التقليدية بتفكيك الخطاب الذي تقوم عليه جماعات التطرف والإرهاب لحماية شبابنا من الوقوع في براثن خطابهم المتطرف، ويتطلّب هذا الأمر مشروعات فكرية ضخمة لإعادة بناء الفكر الديني بما يتوافق مع ثوابت الإسلام ومتغيرات الآخر.

- ثامنا: لهذه المؤسسات الدينية دور مهم في مواجهة الطائفية التي تمزق عالمنا العربي اليوم، فهذا الواقع الطائفي من أشد التحديات التي تواجه الأمة وتهدد سلامتها، لذا لا بد من الوصول إلى كلمة سواء لنبذ الطائفية الدينية والطائفية السياسية، فالمواطنة الحقة يجب أن تكون هي المعيار في الدولة العربية وليست الجماعة أو الطائفة أو المذهب الديني.

- تاسعا: تقوم المؤسسات الدينية بإبراز القيم الإسلامية التي نادت بالتعايش بين المسلم وغير المسلم من أتباع الديانات الأخرى في الوطن الواحد، لأن أي تجديد للخطاب الديني لا يمكنه تجاوز مبدأ التعايش الذي يمثل طوق نجاة للمجتمعات العربية، يحمي مكوناتها ويحافظ على تماسكها، فالمسيحيون وغيرهم من الأقليات هم جزء لا يتجزأ وأساس من أسس تكوين مجتمعاتنا العربية والإسلامية وليسوا طارئين عليها فهم منّا ونحن منهم، ولهم ما لنا وعليهم ما علينا.

- عاشرا: إنه لمن الشجاعة بيان أن المواجهة مع هذه الجماعات المتطرفة والإرهابية ليست دائما مواجهة فكرية فهناك جماعات لا حل معها إلا المواجهة الأمنية.

5