الحرب على الإرهاب ومعايير حقوق الإنسان.. المعادلة الصعبة

الثلاثاء 2017/07/18
المعادلة الصعبة

ظاهرة الإرهاب وتفشيها عالميا جعلت العديد من المراقبين والمتابعين يضعونها على محك سبل مقاومتها في ارتباطها بمسألة حقوق الإنسان، وهل يجوز حفظ حقوق الإرهابيين رغم ما يقومون به من مصادرة لحقوق الآخرين في العيش وفي التعبير عن الرأي الحر.

تتعارض الآراء وتختلف في هذه المسألة، ففريق يرى أن للإرهابي حقوقا لا بد من احترامها حين محاكمته على ما اقترفه من جرائم في حق الآخرين، في حين يرى فريق آخر أن مسألة تهديد الأمن القومي لأي دولة من قبل هؤلاء الإرهابيين تسقط الجانب الحقوقي لهم باعتبار أنهم لم يحترموا حيوات الآخرين، فكيف يحترم حق من لا يحترم حقوق الآخرين؟

وفي هذا السياق يبرز موقف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كامرون كرد فعل على الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها العاصمة البريطانية لندن زمن رئاسته للوزراء “عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي فلا يحدثني أحد عن حقوق الإنسان”، هذا جانب من المسألة، والذي يرى أن الإرهاب بحدّ ذاته تعدّ على حقوق الإنسان، فكيف تكون لمنتهك حقوق الآخرين حقوق؟

وفي الجانب الثاني يرى المدافعون عن حق الإرهابيين في ضمان حقوقهم في محاكمات عادلة على الرغم مما اقترفوه من جرائم قفا المسألة وليس وجهها، حيث يرى البعض أن ادعاء المحافظة على حقوق الإرهابيين بغض النظر عن جرائمهم ركيزة أساسية في مجال حقوق الإنسان من حيث المبدأ العام، لكن في سياق التدقيق في هذا الجانب تبرز مسألة الكيل بمكيالين تجاه الجاني والضحية، حيث يرى المناصرون لهذا الرأي أن الحق مكفول للجميع جلادا وضحية ما يشي باهتزاز في المنظومة الحقوقية الإنسانية. الأمر هنا ذو وجهين يطوعه كل طرف لأجندته الخاصة، ذلك أن التمسك بتطبيق مبادئ حقوق الإنسان على الجميع قد يضيع حق المتضرر من الإرهاب، ويزيد من فرص إفلات الإرهابي من العقاب، وكذلك تمتيعه بحق لا يكون غيره محسوبا في دائرته، فالمتضرر من الإرهاب يتساوى مع جلاده في ميزان دعاة حقوق الإنسان، لكنه يكون ذا أفضلية عند الفريق الذي يضع الضحية في مرتبة أعلى من جلادها.

مسألة الحق الإنساني وكأنها ميزان تميل إحدى كفتيه بحسب أهواء دعاتها، ويبقى النظر إلى مشكلة الإرهاب متعينا من خلال القوانين الدولية والإقليمية ومرتبطا بوضعية كل دولة تهددها الإرهاب وأخلّ بأمنها القومي.

فلو رجعنا إلى توصيات الأمم المتحدة في مجال مكافحة الإرهاب لوجدنا تأكيدا على أن “الدفاع عن حقوق الإنسان شرط مسبق لكل جانب من جوانب أيّ استراتيجية فعالة لمكافحة الإرهاب، ومن هذا المنطلق فإن أيّ جهود تتم في إطار مكافحة الإرهاب دون الأخذ بعين الاعتبار حماية وتعزيز حقوق الإنسان ستكون هدرا للجهد والأموال، بل إنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية بتوسع دائرة الإرهاب وزيادة ناشطيها نتيجة لهدر الحقوق وانتهاك الحريات”، هذا ما ورد في الاستراتيجية العالمية لمكافحة الإرهاب التي أقرتها الجلسة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 99 بتاريخ 8 سبتمبر 2006.

لكن يبقى الأمر شبيها بقميص عثمان، الذي يرفع بين الفينة والأخرى، ما بين مؤيد لحقوق الإرهابيين وبين من ينفي عنهم هذا الحق، ولكل وجهة هو مولّيها تتحكم فيه مرجعيات أيديولوجية وانتماءات طائفية ودينية وعرقية.

مسألة حقوق الإنسان والإرهاب غادرت أرض المعركة وساحاتها لتنتقل إلى مجالات الفكر والرأي، وإلى أروقة المحاكم التي تجد نفسها في مفترق طرق ما بين حكم يثبت الإرهاب على مرتكبه وما بين من يحكم بضياع حق الضحايا فيكون النصر للإرهاب.

الإرهاب الذي تمارسه تيارات متطرفة لا تأبه للقوانين ولا تعترف بالدول والمؤسسات، يمثل في حد ذاته تهديدا لكل القيم الكونية التي تناضل جهات حقوقية ومدنية كثيرة من أجل تكريسها، مع ذلك يظل السؤال قائما عن كيفية مواجهة الإرهاب، وهل يمكن لهذه المواجهة أن تُشمل بالقوانين التي ترفضها التيارات الإرهابية بل تسعى إلى الاستعاضة عنها بأحكام وفتاوى لا تنتمي إلى المدونة الحقوقية والسياسية الحديثة، لكن التغاضي عن مبادئ حقوق الإنسان قد يطلق يد المحاربين للإرهاب ويتيح لهم استخدام الإرهاب تهمة تصم بها كل مخالف.

ولعل سؤال حقوق الإنسان والإرهاب هو في حقيقته سؤال عن السبل المثلى لمواجهة الظاهرة، أو هو تعبير عن حيرة العالم تجاه ظاهرة تقض مضاجعه وتحولت إلى صداع لم يستثن منه قطر أو فضاء، والعجز أو التأخر في التخلص من الصداع أفرز مفارقات وسجالات عديدة، من قبيل الإحراج الفكري والمعرفي المتصل بالإرهاب وحقوق الإنسان، ويبدو أن حل الإشكالية يتطلب الهجرة بالقضية إلى سبل أخرى لمواجهة الإرهاب من قبيل التركيز على الجوانب التعليمية والثقافية والتنموية علها تقي من الظاهرة قبل ترعرعها، وتجنب أيضا الجدل المشار إليه، إذ ثمة أسئلة ربما يجدر تجنبها.

للمزيد:

حماية حقوق الإنسان قاعدة متطورة لمكافحة الإرهاب

محاسبة الإرهابي تتم في ميدان المعركة

12