الحرب على الإرهاب يدفع ثمنها اليمنيون والأزمة الإنسانية لا تثير الاهتمام

الجمعة 2013/08/30
الأزمة الإنسانية في اليمن مغيبة في الإعلام العالمي

يعيش اليمن على وقع تحرّكات أميركية حربية مكثّفة في إطار "الحرب على الإرهاب"، وذلك بالتزامن مع نشاط متزايد لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، المتحصّن بالجبال اليمنية، منذ تعيين ناصر الوحيشي أميرا للتنظيم في اليمن. وفي الفترة الأخير شهد اليمن عودة للغارات دون طيّار صحبها إغلاق للسفارات الأجنبية وتحذيرات من السفر وإعلان حالة تأهب وغيرها من الاستعدادات التي جذبت الاهتمام العالمي. هذا الزخم والتحرّك الدولي في إطار ما تقول واشنطن إنه حرب ضدّ تنظيم القاعدة لا يعير له اليمنيون اهتماما، فهم مشغولون بمشاكل داخلية كثيرة ويعيشون أزمات صعبة في بلد بات يأتي في المرتبة 24 في مؤشر الجوع العالمي، وفق تقرير صدر عن المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية. معدّة التقرير الباحثة دوريس كاريون، قارنت بين النظرة الخارجية للوضع في اليمن وبين ما يراه اليمينيون في الداخل، مشيرة إلى أن اهتمام الإعلام العالمي ينصب على تهديدات أمنية تتعلق بخطط تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية لمهاجمة البنية التحتية للنفط والغاز واختطاف الأجانب، بينما النظرة من داخل اليمن مختلفة تماما. وترصد الباحثة أن المشاغل اليومية الملحّة لأغلبية اليمنيين تتمثل في الجوع ونقص الكهرباء والماء، ناهيك أن أكثر من عشرة ملايين شخص- أي نصف سكان البلاد- لا يملكون ما يكفي من الطعام.

أما بالنسبة إلى القاعدة فينظر إليها أغلب الناس، في اليمن، على أنها هاجس الحكومات الأجنبية، فهم اعتادوا على الهجمات على أنابيب النفط التي تحدث بشكل أسبوعي تقريبا، وتعزى إلى مقاتلي القاعدة أو إلى المحاربين القبليين الذين يتهمون الحكومة بالفساد وإهمال المناطق القبلية. كما أن التحذيرات من السفر إلى اليمن إجراء معمول به منذ سنوات، وعادة ما تشهد البلاد عمليات اختطاف للأجانب. وبالرغم من تسليط الإعلام الأضواء حاليا على هذه الأحداث فإن معظم ما يحدث في اليمن أمور مألوفة جدا، بالنسبة إلى أهل البلد الذي وصل الفقر فيه إلى أكثر من 52 بالمئة، وهو ما يعادل 12 مليون شخص من إجمالي عدد السكان المقدر بـ24 مليون نسمة.


الجدل حول الطائرات دون طيار


اهتمام الإعلام مؤخرا بالأحداث في اليمن تسبب على الأقل في إطلاق جولة جديدة من النقاش حول نجاعة طرق محاربة الإرهاب في بلدان مثل اليمن. وتشير دوريس كاريون إلى أن الحملة الغربية ضد تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية أدت إلى جملة من النتائج المختلطة، فبالتوازي مع القضاء على زعماء متشددين مثل العولقي وسعيد الشيهري بواسطة هجمات نفذتها الطائرات دون طيار قُتل الكثير من المدنيين أيضا حيث يقدر عددهم على مدى العشرية الماضية بين 98 و194 وذلك حسب تقديرات مكتب الصحافة الاستقصائية.

ويعتقد البعض أن هجمات الطائرات دون طيار والضحايا من المدنيين تدفع اليمنيين إلى الانضمام إلى المجموعات الإرهابية. ومن بين هؤلاء نجد فريعة المسلمي، وهي ناشطة وكاتبة يمنية، حيث أدلت بشهادتها أمام مجلس الشيوخ الأميركي في نيسان – أبريل الماضي مفادها أن تزايد عدد الهجمات والضحايا يؤلب الرأي العام ضد الولايات المتحدة. وقد ازدادت هجمات الطائرات دون طيار بشكل ملحوظ في الأشهر الثمانية عشر الماضية إذ تضاعفت ثلاث مرات بين سنتي 2011 و2012. وفي بداية هذا العام أوصت لجنة بمؤتمر الحوار الوطني اليمني بوقف كل التدخلات الأجنبية بما في ذلك الهجمات الجوية. وهذه التوصية دليل على تنامي معارضة اليمنيين للحملة الأميركية ضد الإرهاب واستهانتها بسيادة البلاد.


تحقيق الاستقرار


تقدم الحكومات الأجنبية مساعدات تنموية وتواصل عملية الانتقال السياسي نسبيا على الأقل على أمل أن وجود يمن ديمقراطي ومعافى اقتصاديا سيكون مكانا أقل جاذبية للمتطرفين.

بيد أن الكثير من اليمنيين يعتقدون أن الأجانب لا يهتمون فعليا إلا بمحاربة تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، والدليل على ذلك هو تعاون الحكومات الأجنبية نفسها مع العمليات الاستخباراتية والعسكرية اليمنية في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح في إطار اتفاقيات تشمل مئات ملايين الدولارات.وفي الوقت نفسه بقيت الحكومة اليمنية في صنعاء كما هو الشأن بالنسبة إلى النخب السياسية اليمنية صامتة بشكل كبير تجاه الأضرار التي خلفتها عمليات مكافحة الإرهاب.

الآن أعيد فتح عديد السفارات في مختلف بلدان الشرق الأوسط، لكن سفارتي بريطانيا والولايات المتحدة في اليمن ما زالتا مغلقتين. ومن المنتظر استئناف مؤتمر الحوار الوطني الذي يسعى لإعداد دستور جديد قبل انتخابات فبراير المقبل. ويلاحظ أن الإشراف الدولي كان ضروريا لتقدم العملية الانتقالية إلى حد الآن، وما يزال الدعم الدولي قائما بصفة مطردة حتى مع دخول الحوار الوطني مرحلة نهائية حساسة.

وتخلص الباحة أنه وبينما تتعهد السفارات الأجنبية بمسؤولية أمن موظفيها يتوجب على المساندين الدوليين لليمن أن يبرهنوا بوضوح عن التزامهم بعملية الإصلاح السياسي في البلاد. كما عليهم أيضا أن يبقوا واعين بالتأثيرات السلبية التي ستسببها إجراءات مكافحة الإرهاب.

6