الحرب على الفساد.. أحد مخرجات قمة ترامب

الاثنين 2017/05/29

وضع رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد الأصبع على موضع الداء الذي ارتأت كافة الحكومات السابقة والمتعاقبة الإشارة إليه دون مجرد الاقتراب من تخومه.

لأوّل مرة منذ تأسيس الدولة التونسية تقريبا، يقدم الفاعل الرسمي على خطوات إجرائية وتنفيذية وترتيبية جريئة ضد مجموعة من الشخصيات المعروفة التي يتعلق بها شبه فساد وإفساد ضدّ البلاد والعباد.

ولأوّل مرة أيضا، يسبق الفاعل الرسمي المجتمع المدني في مسار محاربة الفساد، ويرفع السقف نحو مصادرة الممتلكات وتجميد الأموال ووضعها تحت المتصرفين العموميين وحرمان قائمة من المشتبه بهم من السفر خارج حدود الوطن وتمكين القضاء المدني والعسكريّ من ملفات التتبع والتحري.

صحيح أن قراءات كثيرة راقبت خطوات الحكومة بشيء من التحفظ والتوجس على خلفية تأخر الحكومة في اعتماد خطوات سبق وأن أعلن عنها رئيس الحكومة يوسف الشاهد قبل عام بالكمال والتمام.

كما أن مقاربات أخرى ذهبت إلى ربط تحرّك الحكومة ضد الفساد بسعي الفاعل الرسمي إلى إخماد نيران التحركات الاحتجاجية في المدن والأرياف، لا سيما وأنّ بعض شعاراتها الداعية إلى إسقاط النظام وصلت شظاياها إلى الشارع الرئيسي بالعاصمة، وهي تحركات زاد زخمها عقب وفاة الشاب أنور السكرافي من محافظة تطاوين وإبانة الحكومة عن عجز اتصاليّ كامل في مسايرة الأحداث وتطويق الأزمة.

غير أنّ هذه المقولات وعلى رجاحتها أيضا، تبقى عاجزة تفسيريا عن تحليل الأسباب العميقة والهيكلية التي دفعت بالفاعل الرسمي إلى أن يصرح بأن الإرهاب والتهريب وجهان لعملة واحدة، ويؤكّد بأنّ حوالي نصف الميزانية العامّة يذهب هدرا ويسترد خسارة عامة جراء التهريب في المناطق الحدودية ولا سيما منها تلك التي تعاني من عضال “الدولة الفاشلة”.

كان تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر في 11 مايو الفارط، وتقرير صندوق النقد الدولي حول الموازنة العامة في تونس، ناقوسي الخطر الحقيقي اللذين دقا بقوة في قاعة القصبة وقصر قرطاج.

لسان حال التقريرين يؤكد بأن البلاد التي تعيش حالة من الإفلاس الاقتصادي غير المعلن الذي سيفضي إلى التضخم المالي قبل إعلان حالة الإفلاس الرسمي، كونت فيها مجموعة من بارونات التهريب والسوق الموازية ميزانيات طائلة من شأنها في حال مصادرتها تسوية قضايا اجتماعية واقتصادية استراتيجية للمواطن التونسي.

وعلى اعتبار أنّ مؤتمر 2020 للتنمية والاستثمار أبان بشكل واضح عن استعصاء دولي لتقديم المساعدات المالية الموعودة، وكشف أيضا عن خشية موجودة لدى الفاعلين الدوليين حيال فرضية الاستثمار في ظلّ وضعية اقتصادية وأمنية واجتماعية هشة.

بهذه المسلكية، اختارت حكومة الشاهد استيعاب الموارد المالية المحلية واجتبت استدرار الأموال والفوائد التي تدخل إلى الوطن أو تخرج منه بعنوان الدولة الموازية أو تحت شعار إمبراطوريات التهريب في البلاد.

غير انّ حقيقة محاربة الفساد، وربطه ببارونات التهريب والإرهاب له علاقة بالوضع الإقليمي والدولي، حيث الحرب على الجماعات الإسلامية وعلى رأسها حركة الإخوان، أو روافدها في الأقطار العربية والإسلامية. جزء من الحرب التونسية على الفساد يعود إلى المشهدية الأمنية والسياسية في ليبيا، حيث التقارب بين الشرعية الدولية ممثلة في فايز السراج، والشرعية الميدانية مشكلة في خليفة حفتر والذي أثمر مقارعة للأطراف الإسلامية الرافضة لهذا التقارب.

وباعتبار أن الحرب على الإرهاب تكتسي طابع ضرب الخزان الاستراتيجي للجماعات الإسلامية انطلاقا من استهداف الموارد المالية وضرب شبكات العلاقات القائمة بينها وبين رجال الأعمال، فإنه ينبغي للرأي العام التونسي أن ينظر إلى المشهدية بأكثر عمق.

الناظر إلى مجموعة الاتهامات الموجهة لرجل الأعمال التونسي شفيق جراية، والتي تضمنت اتهامات بالخيانة وبالسعي إلى ضرب أمن الوطن من الخارج، يتبيّن هذا التعاقد بين البعد الداخلي (محاربة الفساد) والخارجي (الرهانات الإقليمية والدولية لضرب الجماعات الإسلامية).

اختارت الحكومة التونسية إعلان الحرب على الفساد، مباشرة عقب عودة الرئيس التونسي من الرياض من القمة الإسلامية الأميركية التي كان تطويق الحسابات المالية للجماعات الإرهابية أحد أهم مخرجاتها.

كما فضلت البداية في حملتها، أياما قليلة عقب التوصل إلى اتفاقات جدية في الإمارات ومصر بين السراج وحفتر لقتال الجماعات الإرهابية واستهداف الإخوان، الذين يمثلون في المدونة الإعلامية لحفتر جماعات إرهابية وفي الخطاب السياسي للسراج “أنصاف إرهابيين”. والأهم أنها تأتي في ظل انخراط القاهرة في استهداف القواعد العسكرية للإرهابيين في درنة وغيرها من المناطق الليبية.

كما أنّ التصعيد الخليجي ضد الدوحة، وضد قناة الجزيرة باعتبارها الرافعة الإعلامية للجماعات الإسلامية، يتنزل في ذات السياق؛ ضرب الجماعات الإسلامية عبر استهداف خزاناتها الاستراتيجية.

إذن هو تقاطع بين الضغوط المحلية والمناخ الإقليمي والدولي في علاقته بالجماعات الإسلامية، الذي ساعد الحكومة التونسية على إعلان الحرب على الفساد، والذي يبدو أنه سيتواصل في ظل بيئة دولية بات عنوان الحرب على الإرهاب والتضييق على الجماعات الإسلامية عنوانها الأبرز.

عائقان يقفان أمام حكومة الشاهد في الحرب على الفساد والإرهاب، الأوّل ضعف جهاز القضاء في تجميع الأدلة والقرائن ومن ثمة الإدانة الصارمة، والثاني انقلاب النهضة على المسار برمته، إنقاذا لحلفائها في المنطقة والإقليم من جماعات ودول، وتلك فرضية واردة وقائمة وقد تكون قادمة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

9