الحرب على حرية الصحافة تزيد وسائل الإعلام إصرارا على التحدي

الجمعة 2015/01/09
بعض الصحف الأوروبية اعتمدت على إعادة نشر صور صحيفة شارلي إيبدو للتأكيد على تحديها للمهاجمين

باريس - تضامنت الصحافة العالمية ووسائل الإعلام، مع صحيفة شارلي إيبدو، منددة بالهجوم الذي استهدف حرية الصحافة، فيما اتشحت بعض الصحف بالسواد حدادا على ضحايا الاعتداء.

وعبرت الصحف الغربية على اختلاف توجهاتها، بطريقتها الخاصة عن تضامنها مع الصحيفة والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، رغم انقسامها حول مسألة إعادة نشر رسوم الصحيفة، حيث تباينت التبريرات للقرارات، فالبعض وصف القضية بأنها “حساسة” في حين رأى البعض الآخر أن منع النشر يعني “فرض رقابة” إعلامية تستجيب لمطالب من يوصفون بـ”الإرهابيين”.

ففي فرنسا كرمت الصحف في أطر سوداء ورسوم كاريكاتورية القتلى الـ12 ضحايا الاعتداء الذي استهدف الصحيفة الأسبوعية الأربعاء في باريس وبينهم أربعة رسامين مشهورين.

وعنونت صحيفة ليبراسيون اليسارية “جميعنا شارلي” مكتوبة بالأبيض على خلفية سوداء، وقد رفع العديد من المتظاهرين لافتة تحمل هذا المربع الأسود خلال التجمعات التي جرت مساء الأربعاء كما نقلته الكثير من الصحف على صفحاتها الأولى.

بدورها أكدت الصحافة البريطانية دعمها للصحافة الفرنسية، ودعتها إلى التمسك أكثر بحرية التعبير. وأملت في أن يكون الرد على هذا الاعتداء مدروسا خشية تصاعد تيار الإسلاموفوبيا واليمين المتطرف.

وعنونت صحيفتا “دايلي ميل” و”دايلي تلغراف” على صفحتهما الأولى “الحرب على الحرية” مع صورة للاعتداء تظهر مهاجمين يشهران سلاحهما على شرطي مطروح أرضا. فيما دافعت الغارديان عن شارلي إيبدو معتبرة أن ثمة “نموذجا فرنسيا في شكل العدائية التي كانت مفضلة لدى شارلي إيبدو”.

ولاحظت الصحيفة في افتتاحيتها أن صحفيي الأسبوعية الفرنسية الذين هزئوا على الدوام بالمسيحية “لم يجدوا أبدا سببا محددا لإظهار مفاضلة أكبر حيال باقي الأديان”.

واعتمدت بعض الصحف الأوروبية على إعادة نشر صور صحيفة شارلي إيبدو للتأكيد على تحديها للمهاجمين وإصرارها على حرية الإعلام، حيث أوردت صحيفة “ليكو” البلجيكية الاقتصادية “كلنا شارلي” على خلفية سوداء في صدر صحفتها الأولى، ونقلت 17 من أشهر الصفحات الأولى لشارلي إيبدو، فيما صدرت توأمها الناطقة بالهولندية “دي تيد” بصفحة أولى سوداء بالكامل تقريبا وعليها بالأبيض بالفرنسية “أنا شارلي”.

واحتل رسم كامل الصفحة الأولى لصحيفة دي مورغن الناطقة بالهولندية يصور بالأحمر على خلفية بيضاء إرهابيا يشهر رشاش كلاشنيكوف ويصيح “إنهم مسلحون!” في مواجهة شخص خارج الصورة يظهر منه فقط قلم يحمله.

بول كولفورد: أسوشيتد برس لديها سياسة تتجنب استخدام الصور الاستفزازية

ورأى كاتب افتتاحية صحيفة “لا ليبر بلجيك” فرانسيس فان دو وستين أن “هذا الهجوم هو من حيث وقعه وعنفه بأهمية الهجوم الذي ضرب نيويورك في 11 سبتمبر 2001. غدا، بعد ثمانية أيام، بعد شهر، سيضرب إرهابيون آخرون. باسم إله، أو نبي يشوهون رسالته”.

وعبرت الصحف الألمانية أيضا عن تضامنها، مؤكدة أنه في التصدي للإرهاب “يجب عدم التراجع”. حيث كتبت صحيفة “فرانكفورتر الغيمايني تسايتونغ” المحافظة على موقعها على الإنترنت أن “الهجوم على صحفيي شارلي إيبدو يستهدف قلب الديمقراطية، حرية الصحافة”.

وكتبت الصحيفة “نعم، إنها بمنحى ما معركة حضارات” داعية رغم ذلك إلى “التمسك بالهدوء”.

ورأت صحيفة “تاغس شبيغل” على موقعها الإلكتروني “علينا ألا ندع المجزرة التي وقعت في شارلي إيبدو تسكتنا”.

وفي البرتغال عنونت صحيفة “اسبريسو” الأسبوعية نشرتها الإلكترونية “أوروبا ليست خائفة” مشيرة إلى أن آلاف الأوروبيين نزلوا إلى الشارع “من أجل حرية التعبير وضد وحشية الإرهاب”.

وفي أسبانيا أوردت إذاعة كادينا سير في افتتاحية نشرت على موقعها الإلكتروني أن “الرسوم الكاريكاتورية لم ترتكب أي ذنب، ولا النكات، ولا آخر كتاب للأديب الفرنسي ميشال ويلبيك الذي يتنبأ بفرنسا إسلامية عام 2022. لا، دعونا لا نخطئ في العلاج: ليس الحل في بتر الحريات، بل في محاربة التعصب والحقد الأعمى والظلامية والجهل”.

ورغم أن بعض الصحف نشرت الرسوم تأييدا لمبدأ حرية التعبير، فإن أغلب وسائل الإعلام في الولايات المتحدة تجنبت نشرها.

ونشر موقعا ديلي بيست وسليت الرسوم الساخرة على الإنترنت لكن المنافذ الإعلامية الرائدة ومنها نيويورك تايمز وول ستريت جورنال وأسوشيتد برس لم تفعل ذلك.

وقالت بعضها إن معاييرها تلزمها بتجنب نشر الصور أو غيرها من المواد التي تسيء إلى المشاعر الدينية. وقالت دانييل رودز المتحدثة باسم شركة نيويورك تايمز في رسالة بالبريد الإلكتروني “بعد دراسة متأنية قرر محررو تايمز أن وصف الرسوم المعنية من شأنه أن يعطي القراء معلومات كافية لفهم قصة اليوم”.

وقال بيل ماريمو رئيس تحرير فيلادلفيا إنكوايرر “تحت أي ظرف من الظروف لن ننشر الرسوم. فكرة إهانة عشرات الملايين من المسلمين دون مبرر بدلا من وصف شيء بالكلمات غير واردة”.

وقال بول كولفورد المتحدث باسم أسوشيتد برس إن الوكالة لديها سياسة تلتزم منذ أمد بعيد بتجنب استخدام الصور الاستفزازية. وكثيرا ما تشن صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية هجمات ساخرة على الزعماء السياسيين والدينيين من جميع الأديان.

وشملت تغطية وول ستريت جورنال مجموعة من الرسوم الساخرة الاستفزازية من شارلي إيبدو وبعضها يسخر من الأديان ومنها الإسلام لكنها لم تنشر أي صور للنبي محمد.

وقال جيرارد بيكر رئيس تحرير وول ستريت جورنال في بيان بالبريد الإلكتروني “يعكف محررو الأخبار العالمية على إعداد التقارير ونشر الأخبار وشرح سياقها وسنستمر في القيام بذلك على الرغم من الأحداث المروعة، وبذلك نحن نكرس أنفسنا كل يوم للقيم الأساسية لحرية الصحافة”.

يذكر أن منظمة مراسلون بلا حدود وجهت في بيان “نداء دوليا إلى جميع مدراء وسائل الإعلام من أجل أن ينشروا اعتبارا من الخميس رسوم الصحيفة المفجوعة”.

وتابعت المنظمة المدافعة عن حرية الصحافة في بيانها “لا يمكن لحرية الإعلام أن تتنازل أمام الوحشية وتستسلم لابتزاز الذين يحملون على ديمقراطيتنا وعلى قيمنا الجمهورية”.

18