الحرب على داعش تهدد التمثيل السياسي التقليدي للمحافظات السنية

الأحد 2015/03/15
مراقبون محليون يتوقعون أن يغير الوضع الأمني الحالي في المحافظات السنية شكل تمثيلها السياسي مع شيء من الاستثناء فيما يتعلق بصلاح الدين

تتسارع التطورات الميدانية في جبهات القتال في ثلاث محافظات عراقية، تعرف بأغلبية سكّانها السنة، بينما يحيط الغموض بمستقبل الممثلين التقليديين لهذه المحافظات في المرحلة التي تلي سيطرة تنظيم “داعش” عليها.

حافظت شخصيات سياسية وعشائرية سنية على حضور ثابت في برلمان أو حكومة العراق طيلة الأعوام العشرة الماضية، لكنها تواجه مصيرا مجهولا منذ سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” على المناطق التي تمثل ثقل قواعدها الشعبية في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين.

وباستثناء استمرار نشاط عدد من الوجوه السياسية والعشائرية الممثلة لمحافظة صلاح الدين في بغداد، تضاءل مؤخرا دور شخصيات سنية بارزة تمثل كلا من الأنبار ونينوى.

وتحافظ عائلة آل كريم وعشيرة الجبور في صلاح الدين على حضور لافت في العملية السياسية العراقية حتى بعد غزو “داعش” للمناطق السنية الشمالية والغربية في التاسع من يونيو الماضي، كما أن وجود ممثّلين عنها في مجلس محافظة وحكومة صلاح الدين المحلية ساعدها في لعب دور محوري في إيواء نازحي هذه المحافظة، ولاحقا الإسهام في معركة استعادتها التي يقودها الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي مدعومة بمقاتلين محليين.

وبينما تصارع عائلة النجيفي لحماية مكاسبها السياسية في نينوى بعد سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” عليها، غابت عن المشهد السياسي وأنشطة التواصل الشعبي العديد من الشخصيات التي تمثل محافظة الأنبار، إذ يحيط المجهول بالمستقبل السياسي لنائب رئيس الوزراء صالح المطلك، ووزير المالية السابق رافع العيساوي، والوجوه العشائرية البارزة كالشيخ أحمد أبو ريشة والشيخ علي حاتم السليمان.

وتخشى الشخصيات السياسية السنية أن تسهم التطورات الميدانية في المحافظات الثلاث في الدفع بممثلين سياسيين جدد لهذه المحافظات. وعلى سبيل المثال، يواجه الممثلون السياسيون الحاليون للأنبار ونينوى مصاعب كبيرة في التواصل مع جماهيرهم في هاتين المحافظتين. ولم تسجل محافظتا الأنبار ونينوى زيارة مسؤول أو سياسي سني بارز منذ نحو 8 أشهر.

ويوجّه السكان المحليون في الأنبار ونينوى انتقادات علنية للشخصيات التي تمثل هاتين المحافظتين في بغداد أو تقود الحكومة المحلية. وساعد الظهور المستمر لشخصيات شيعية بارزة في ميدان القتال إلى جانب القوات الأمنية والحشد الشعبي، في إذكاء الانتقادات السنية لممثلي الطائفة في البرلمان والحكومة.

لكن محافظ الموصل، أثيل النجيفي وشقيقه أسامة، الذي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، يحاولان تدارك هذا الأمر. وأشرف محافظ الموصل شخصيا على إنشاء معسكر لتدريب المتطوعين الراغبين في قتال تنظيم “الدولة الإسلامية” في منطقة مخمور التابعة لمحافظة نينوى والتي تسيطر عليها قوات البيشمركة الكردية حاليا.

وبحسب مصادر مقربة من عائلة النجيفي، فإن الشقيقين أجريا سلسلة لقاءات بمسؤولين أكراد وأميركان لتنسيق جهود استعادة نينوى. وقالت هذه المصادر إن أربيل قررت تزويد متطوعي معسكر مخمور بكميات محدودة من الأسلحة والذخيرة، فيما تعهدت واشنطن بالمشاركة في تدريبهم.

جهود تطويع المقاتلين المحليين لتجهيزهم في الحرب على داعش نجحت حتى الآن في جلب نحو ألف شخص فقط ويتجمع هؤلاء في قاعدة عين الأسد ويشرف على تدريبهم مستشارون أميركان

وتهيمن عائلة النجيفي على التمثيل السياسي لمحافظة نينوى في بغداد، كما أن أثيل النجيفي يشغل أرفع منصب في حكومتها المحلية.

وخلال الأيام القليلة الماضية، انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي، صورة لأسامة النجيفي وهو يعتلي عجلة عسكرية ويمسك سلاحا متوسطا.

وتشير المصادر إلى وجود نحو ألف متطوع في معسكر مخمور، وهو عدد لا يعكس الحاجة الفعلية لمعركة استعادة نينوى، ويكشف في الوقت نفسه المصاعب التي تواجهها عائلة النجيفي في حشد سكان المدينة للمشاركة في هذه المعركة.

وتؤكد المصادر أن عائلة النجيفي تراهن على الدعم الأميركي، إذ تنظر واشنطن إلى أثيل النجيفي بوصفه الممثل الشرعي لمحافظة نينوى، وسط تشكيك مستمر من قبل شخصيات سياسية بارزة في بغداد بأحقية تمثيل عائلة النجيفي للموصل بعد سقوطها في أيدي عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”.

ويساعد عائلة النجيفي في تحركاتهم، وصول خالد العبيدي، مستشار أثيل النجيفي، إلى منصب وزير الدفاع في حكومة العبادي. وحرص العبيدي، في تصريحات لوسائل الإعلام خلال الأسابيع الماضية، على تأكيد أن معركة استعادة نينوى ستنفذ بأيدي أبناء المحافظة “السنة” المدعومين من الجيش العراقي، وهي إشارات تثير الشكوك بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه قوات الحشد الشعبي “الشيعية” في هذه المعركة.

وتحدّث مسؤول عراقي رفيع في مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، مشترطا عدم كشف اسمه، عن خلافات بين العبادي ووزير دفاعه بشأن موقف الأخير من انطلاق معركة استعادة صلاح الدين.

وقال هذا المسؤول، إن وزير الدفاع العراقي حاول إقناع العبادي بتأجيل معركة صلاح الدين لحين الانتهاء من استعادة الموصل، لضمان مشاركة جميع القطعات العسكرية الفاعلة فيها، لكن العبادي، وهو القائد العام للقوات المسلحة بحسب الدستور العراقي، لم يصغ إلى العبيدي.

وغاب العبيدي عن معظم الاجتماعات العسكرية التي عقدها كبار القادة الأمنيون قبيل وأثناء معركة صلاح الدين. لكنه قام بزيارة إلى مقر قيادة عمليات سامراء في صلاح الدين في اليوم الخامس لانطلاق معركة استعادتها، بعد أن حققت القوات المهاجمة تقدما كبيرا على الأرض.

وفي الأنبار، كبرى محافظات العراق من حيث المساحة، والمعقل التقليدي لتنظيم القاعدة وتشكيلاته، بدا واضحا أن ممثليها في البرلمان والحكومة عاجزون عن التواصل مع الجمهور.

ومنذ مطلع العام الماضي، يسيطر تنظيم “الدولة الإسلامية” على مساحات شاسعة من أراضي هذه المحافظة، فيما يشكو قادة قطعات الجيش العراقي الناشطة في هذه المنطقة من غياب التعاون المحلي.

والزيارة الوحيدة التي حظيت بها الأنبار، خلال هذه المدة، قام بها رئيس البرلمان سليم الجبوري، وهو سني، لكنه ينتمي إلى محافظة ديالى شمال بغداد. وزار الجبوري قاعدة عين الأسد في منطقة البغدادي غرب الأنبار، والتقى عددا من قادة الجيش وبعض شيوخ العشائر.

وتغيب الشخصيات السياسية البارزة في هذه المحافظة عن جهود تطويع المقاتلين وإدارة الحرب هناك، وتركت الأمر لشخصيات محلية، بدا أن دورها يتعاظم خلال الشهور الماضية.

وتقول مصادر عسكرية في قاعدة عين الأسد إن جهود تطويع المقاتلين المحليين لتجهيزهم وإشراكهم في الحرب على “داعش”، نجحت حتى الآن في جلب نحو ألف شخص فقط. ويتجمع هؤلاء في قاعدة عين الأسد ويشرف على تدريبهم مستشارون أميركان.

في المقابل تقود جهود الحرب على التنظيم في هذه المحافظة عشائر آل بونمر وآل بوفهد وآل بوعلوان والجغايفة وآل بومحل والبوعيسى.

ولدى آل بونمر مقعد واحد في البرلمان العراقي، كما أن لآل بوفهد حقيبة وزارية في حكومة العبادي، فيما يقتصر تمثيل العشائر الأخرى على أدوار تنفيذية محلية، بعضها صغير للغاية.

ويتوقع مراقبون محليون أن يغير الوضع الأمني الحالي في المحافظات السنية شكل تمثيلها السياسي، مع شيء من الاستثناء فيما يتعلق بصلاح الدين.

ويقول هؤلاء إن معارك استعادة المحافظات السنية ستفرز شخصيات محلية جديدة، ترتدي زي “المنتصر”، يمكن أن تحتل الواجهة السياسية السنية، على حساب التمثيل السياسي التقليدي.

3