الحرب على داعش في العراق تدخل منعرج التصفية الطائفية

الأربعاء 2015/01/28
الميليشيات تعامل سكان المناطق التي تدخلها على أساس أنهم جميعا من داعش

بغداد - ارتكاب المجازر بحق المدنيين واستباحة الممتلكات والتعدي على المقدّسات أصبحت عوامل ملازمة لاستعادة مناطق عراقية من يد تنظيم داعش، كون الحرب على التنظيم تخاض أساسا بأيدي ميليشيات طائفية تزداد تغوّلا وانفلاتا مع تقدّم تلك الحرب.

انجلى غبار معركة استكمال تحرير مناطق محافظة ديالى العراقية على مجزرة مروّعة بحق عشرات المدنيين العزّل دقّت نواقيس الخطر من انزلاق الحرب على التنظيم المتشدّد نحو هوّة التصفية الطائفية، في ظلّ اتهامات لميليشيات الحشد الشعبي ذات الدور الكبير في تلك الحرب، بالتعاون مع عناصر شيعية ضمن القوات المسلّحة في تنفيذ مخطّط “تصفية طائفية”، بإخلاء محافظة ديالى الواقعة على الحدود مع إيران، ومجمل مناطق حزام العاصمة بغداد من سكّانها السُنّة.

واعتبر متابعون للشأن العراقي أنّ المجزرة التي أودت بنحو 70 مواطنا عراقيا من الطائفة السنية قتلوا على أيدي قوات الأمن ومقاتلي الحشد الشعبي أثناء فرارهم من بلدة بروانة شمالي محافظة ديالى، أكّدت بشكل لا لبس فيه أن المجازر بحق المدنيين لم تعد مجرّد انفلاتات أو أحداث معزولة بل أصبحت عملا ممنهجا لصيقا بالحرب على تنظيم داعش، مشيرين بذلك إلى مجزرة مماثلة كانت حدثت في شهر أكتوبر الماضي بعد استعادة منطقة جرف الصخر الواقعة جنوبي العاصمة من تنظيم داعش من قبل عناصر ميليشيات الحشد الشعبي الذين نفذوا إعدامات ميدانية وقتل عشوائي طال نساء وأطفالا.

صلاح الجبوري: الميليشيات أصبحت أقوى من الأجهزة الأمنية

وتتم عمليات القتل تلك على خلفية تهمة جاهزة للسكان باحتضان تنظيم داعش والتعاطف معه كون التنظيم محسوب على الطائفة السنية.

ويقول شهود عيان إنّ الشروع في استعادة بعض المناطق أصبح يطلق بشكل آلي حركة نزوح لسكانها السنّة مخافة اتهامهم بالانتماء لداعش. بينما تقطع عمليات حرق المنازل وتخريبها بعد الاستيلاء على محتوياتها أمل عودة النازحين إلى بيوتهم. وسبّبت مجزرة ديالى حرجا بالغا لحكومة رئيس الوزراء حيدر العبادي، ومثلت ضربة قاصمة لما يعلنه من جهود لتحقيق المصالحة الوطنية.

وفي محاولة لتطويق تداعيات المجزرة تعهّد العبادي بفتح تحقيق مستجيبا لطلب تقدمت به إليه كتلة اتحاد القوى السنية في اجتماع رسمي بمنزل رئيس مجلس النواب سليم الجبوري.

وجاءت مجزرة ديالى لتضاعف المخاوف من ظاهرة تغوّل الميليشيات الشيعية في العراق بفعل مشاركتها في الحرب على تنظيم داعش وما تدفّق عليها من مال وسلاح إيراني، فضلا عن مشاركة خبراء إيرانيين في تدريبها وتأطيرها في نطاق ما يعرف بالحشد الشعبي الذي تحوّل إلى جيش رديف أقوى من الجيش النظامي بحدّ ذاته، فيما تتيح له المكانة الدينية والسياسية لبعض قياداته على غرار قائد ميليشيا بدر هادي العامري بالتحول إلى سلطة عليا وجهة تنفيذية في المناطق التي تستعاد من يد تنظيم داعش لتغدو مستباحة بشرا وأموالا وممتلكات من قبل مقاتلي تلك الميليشيات.

المالكي يعظ علماء الإسلام بشأن مقاومة التشدد والطائفية
بغداد - فاجأ رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي المراقبين بتوجيهه نداء لـ“علماء الإسلام ومفكريه ومثقفيه” سنة وشيعة دعاهم فيه إلى وضع “معالجات وأدوات توقف الزحف الطائفي والإرهاب التكفيري”.

وحسب منتقدي نداء المالكي فإن مأتى المفاجأة صدوره عن رجل يقود حزبا دينيا طائفيا هو حزب الدعوة “وقد جعل من الطائفية طيلة ولايتيه على رأس الحكومة سياسة ممنهجة همش بموجبها شرائح واسعة وأقصاها عن مواقع أخذ القرار. وعدوا نداء المالكي الذي نحا فيه منحى الوعظ بشأن وحدة الأمة والتحذير من “مشروع التمزيق والتدمير الطائفي الذي يخطط له وينفذه المستكبرون العالميون والإقليميون”، مناورة سياسية في فترة تزداد فيها ارتفاعا الأصوات المطالبة بمحاسبة المالكي على ما شهدته فترة حكمه من فساد ومن طائفية ومن تفكك للقـوات المسلحة أفضى إلى سقوط أجزاء واسعة من البلاد بيد تنظيم داعش.

وغير بعيد عن هذا السياق اعتبر صلاح الجبوري القيادي في كتلة اتحاد القوى السنية أنّ “الجرائم التي تشهدها المناطق المحررة من تنظيم داعش في ديالى لا تقل عن الأعمال الاجرامية التي ينفذها عناصر داعش من خلال حرق المنازل والمساجد والاعتداء على ممتلكات المدنيين”.

وتابع أن “اتحاد القوى طالب العبادي أيضا بسحب الميليشيات من محافظة ديالى وحصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية كونها أصبحت أقوى من الأجهزة الأمنية الرسمية من جيش وشرطة”، وهو مطلب يبدو صعب التحقّق حتى لو توفرت إرادة لدى رئيس الوزراء لتنفيذ ذلك.

وتبرّأت وزارة الداخلية العراقية أمس في بيان رسمي مما راج بشكل واسع بشأن مشاركة القوات الحكومية في مجزرة بروانة. وحاول المتحدث باسم الوزارة العميد سعد معن في ذات البيان إلقاء تبعة مقتل هؤلاء المدنيين على تنظيم داعش قائلا إن “عناصر التنظيم الارهابي يقومون عادة بزرع عبوات وألغام أثناء تراجعهم أو انسحابهم من منطقة ما وذلك لنصب كمين للجنود العراقيين والحشد الشعبي وتشويه سمعتهم”.

إلاّ أن شهود عيان وسياسيين وزعماء عشائر قالوا إن القتلى سقط أغلبهم بالرصاص، وأن القوات العراقية اشتركت فعلا مع الميليشيات الشيعية في قتل المدنيين أثناء فرارهم من بروانة، وذلك أثناء استعادة تلك القوات السيطرة على البلدة وبلدات أخرى بمحافظة ديالى من قبضة التنظيم المتشدّد.

3