الحرب على غزة من المنظور الأميركي

الفصائل المسلحة ترى في كل احتكاك بين الفلسطينيين والإسرائيليين فرصة لإشعال نزاع غير متكافئ ليس من شأنه إلا دعم الموقف الإسرائيلي وتوفير غطاء سياسي للآلة العسكرية الإسرائيلية.
الأربعاء 2021/05/19
صواريخ حماس تعطل فرص دعم القضية الفلسطينية

أكتب هذه السطور وأنا أشاهد صور القتل والدمار التي تسببها الغارات الإسرائيلية على غزة على شاشة التلفاز. مشاهد مؤلمة بحق، وأيّ إنسان طبيعي لا يستطيع إلا أن يتعاطف مع هذا الشعب المكلوم الذي فقد كل شيء، حتى الحق في الحياة.

لكن واجبي ككاتب ومحلل سياسي أن أنقل الصورة كما هي بعيداً عن العواطف والرأي الشخصي، حتى لو كانت الحقيقة مؤلمة والجرح ما زال ينزف.

بدايةً يجب التذكير أن الولايات المتحدة الأميركية دولة ديمقراطية، المسؤول والسياسي والمشرّع فيها كلهم رهينة رأي الناخب الأميركي وقناعاته. ومن النادر أن نرى مسؤولاً أميركياً يتوجه بعيداً عمّا يمليه الرأي العام في الولايات المتحدة. والولايات المتحدة دولة قانون أيضاً، يحمي فيها ساستها أنفسهم من المساءلة عبر الاستناد إلى القوانين والتشريعات الأميركية والدولية.

من الأجدى أن تقوم حماس بتوفير ما تصرفه من أموال على صنع الصواريخ وإطلاقها والاستثمار في الجيل الجديد من المحامين والمؤثرين الفلسطينيين

وهنا تكمن قوة إسرائيل والضعف الفلسطيني في الولايات المتحدة. فلدى إسرائيل جيش جرار من المؤيدين والداعمين لها منتشرون في الشارع الأميركي وأروقة صنع القرار، ولدى هؤلاء ما يكفيهم من الدعم المادي والسياسي للتأثير على رأي الأميركيين ابتداء من أبسط مواطن وصولاً إلى صانع القرار.

أما الفلسطينيون فلم يكن لهم يوماً لوبيات أو مجموعات تدعم قضيتهم بما يكفي لتحقيق أهداف سياسية في الولايات المتحدة. فأغلب مناصري القضية الفلسطينية هم من العرب والمسلمين الأميركيين أو التقدميين اليساريين، وهذه المجموعات ليس لديها ما يكفي من التنظيم لفرض التغيير السياسي والاجتماعي العميق واللازم لتغيير وجهة النظر العامة نحو الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

وعندما يتعلق الأمر بالأراضي الفلسطينية عموماً وقطاع غزة تحديداً، فمن الصعب مناقشة الوضع هناك دون الحديث عن منظمة حماس التي تدرجها الولايات المتحدة ومجموعة كبيرة من الدول الغربية في قوائم المنظمات الإرهابية. والمتابع للإعلام الأميركي يرى جلياً الدور السلبي الذي تلعبه حماس في ترجيح كفة إسرائيل في الرأي العام الأميركي.

غراف

جردة حساب بسيطة لما نشرته وسائل الإعلام الأميركية الكبرى في الأسبوعين الماضيين توضح هذه المعضلة. فبين المئات من المقالات التي تتحدث عن الحرب التي تشتعل بين الفصائل المسلحة الفلسطينية وإسرائيل، يوجد مقال يتيم نشرته شبكة “سي إن إن” حول تفاصيل الاستيلاء على المنازل في حي الشيخ جراح والأبعاد القانونية والسياسية لأعمال الاستيطان الإسرائيلي.

رشقة صواريخ من غزة نحو الأراضي الإسرائيلية كان من شأنها تحويل التوجه الإعلامي الأميركي من حليف محتمل للفلسطينيين الذين يفقدون منازلهم إلى حليف لإسرائيل التي تظهر اليوم كمدافع شرس عن أمن مواطنيها المدنيين من الصواريخ غير الموجهة التي تطلقها الفصائل الفلسطينية المندرجة على لوائح الإرهاب.

وهنا تكمن معضلة هذه الفصائل التي، وحسب مقولة المثل الأميركي، تعمل كالمطرقة التي ترى كل شيء وكأنه مسمار. وترى في كل احتكاك بين الفلسطينيين والحكومة الإسرائيلية فرصة لإشعال نزاع غير متكافئ ليس من شأنه إلا دعم الموقف الإسرائيلي وتوفير غطاء سياسي للآلة العسكرية والأمنية الإسرائيلية.

الحقيقة جلية هنا في واشنطن: صواريخ حماس تعطل بشكل تام فرص دعم القضية الفلسطينية، وحتى المشرعون وصناع القرار الأميركيون الداعمون للفلسطينيين يعملون بشكل خجول خوفاً من أن تلصق بهم تهمة دعم المنظمات الإرهابية.

لدى إسرائيل جيش جرار من المؤيدين والداعمين لها منتشرون في الشارع الأميركي وأروقة صنع القرار، ولدى هؤلاء ما يكفيهم من الدعم المادي والسياسي للتأثير على رأي الأميركيين

من الصعب الإيمان أن حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية التي تنخرط في نزاع مع إسرائيل على مدى عقود من الزمن لا تعرف أن أيّ ضربة تتلقاها إسرائيل في الرأي العام الدولي ستكون موجعة أكثر بكثير من الرشقات الصاروخية، خصوصا أن إسرائيل أصبحت دولة صناعية وتجارية بارزة تربطها علاقات هامة مع الولايات المتحدة وأوروبا، بل وتعتمد على هذه العلاقات بشكل رئيسي سياسيا واقتصاديا. وهذا يجعل إسرائيل بالغة الحساسية تجاه أيّ مقاضاة أو حتى انتقاد في المحافل الدولية.

من الأجدى أن تقوم حماس بتوفير ما تصرفه من أموال على صنع الصواريخ وإطلاقها والاستثمار في الجيل الجديد من المحامين والمؤثرين الفلسطينيين الذين قد يكون بوسعهم تحقيق انتصار ملموس عبر القانون والعمل السياسي.

7