الحرب في العراق تمهد لصراع نفطي كبير في المنطقة

الأربعاء 2014/07/16
النفط يعرض وحدة العراق للاهتزاز والتمزق

بغداد - لعنة النفط والطّائفية التي كانت سببا في السابق لغزو العراق، تُستغلّ اليوم ثانية لشرذمته وفق أجندات جديدة من حيث الأساليب، قديمة من حيث الغايات. ففي ظلّ الأحداث الأخيرة التي تشهدها البلاد عادت مسألة التقسيم لتطفو على السطح من جديد وفق خارطة “قديمة – جديدة”، وسيناريوهات متعدّدة لكنّها تسير كالعادة وفق أجندات المتربصين والطامعين في ثروات العراق.

مع احتدام المعارك التي رسمت خطوط ثلاثة “كانتونات” لتقسيم العراق بطريقة جغرافية ومذهبية، وحتى نفطية، يتداول المشهد السياسي سلسلة سيناريوهات لتقسيم المنطقة كمشروع أميركي جديد يقضي بتصحيح خطوط اتفاقية “سايكس بيكو”.

ومن بين الوثائق المتداولة، وثيقة سبق أن وضعها الباحث الأميركي البريطاني برنارد لويس، بتكليف من وزارة الدفاع الأميركية ومستشار الأمن القومي في عهد جيمي كارتر زبغنيو برجينكسي الذي نقل عنه، أن المطلوب إشعال حرب خليجية ثانية تقوم على هامش حرب العراق–إيران، تستطيع الولايات المتحدة توظيفها لتصحيح حدود اتفاقية “سايكس بيكو”، وتنفيذ خطة برنارد لويس القاضية بتقسيم 18 دولة عربية إلى مجموعة دويلات صغيرة، وقد تكرر الحديث عن إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط عقب الغزو الأميركي للعراق سنة 2003.

وذكر ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، في كتاب له تحت عنوان “حرب الضرورة أم حرب الاختيار” أنّ قرار الرئيس جورج بوش الابن القاضي باحتلال العراق سنة 2003، كان بمثابة الشرارة التي أشعلت حرب المقاومة، وما رافقها من تأثيرات عميقة في سوريا ولبنان وإيران ومختلف دول الجوار.

وتوقع هاس تفكك العراق إلى ثلاث دويلات مع هيمنة إيرانية مباشرة على محافظات الجنوب، وانفصال منطقة كردستان (شمال العراق) بعد إعلان استقلالها، أما الشمال الغربي، فيبقى من حصة المتشددين السنة الطامحين إلى إنشاء دولة سنية في محافظات غربي العراق، بما فيها الموصل الممتدة إلى مدن شرق سوريا.

خالد الجارالله: "علينا تحصين جبهاتنا الداخلية لمواجهة التحديات الخطرة"


تقسيم العراق


في محاولة لإبعاد شبهة التدخل عن واشنطن، أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أن بلاده ملتزمة بوحدة العراق، ولكن على الرغم من أن إدارة أوباما تدرك تماما أن استمرار رئيس الوزراء المنتهية ولايته، نوري المالكي، في الحكم، هو عامل تقسيم، فقد راهنت عليه وعلى الدعم الذي تقدمه له كلّ من إيران وروسيا.

أما المراقبون في الاتحاد الأوروبي، فهم يرون أن وحدة العراق قد تعرضت للاهتزاز والتمزق، فالشمال الكردي قطع ارتباطه بمركزية بغداد واتجه إلى تركيا لبناء علاقات اقتصادية بديلة بعد أن ضم منطقة كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان. وفي وسط العراق وجنوبه استمرت حكومة الأمر الواقع التي تسيطر عليها قرارات شيعة موالين لإيران، في حين أعلن تنظيم “داعش” قيام “الدولة الإسلامية” التي انطلقت من مساحة جغرافية معينة محصورة في العراق وبلاد الشام، وهي تدّعي أنها “ستضمّ سوريا ولبنان والأردن وفلسطين”.

وإذا كانت أغلب كل السيناريوهات تتحدث عن تقسيم العراق، حتى أن بعض المراقبين يؤكدون أنه أصبح واقعا على الأرض من خلال تطور المعارك التي تشير إلى رسم حدود هذا التقسيم بالدم، فإنّ السؤال المطروح هو: ما هي مقومات الكيانات الجديدة؟ وهل تستطيع الحياة مع التطورات المرتقبة إقليميا ودوليا؟

لا شك في أنه بالتوازي مع أي عملية تقسيم للعراق في ضوء السيناريوهات المتداولة، لابد من أن تؤخذ في الاعتبار ثلاثة عوامل رئيسية: التوزيع الجغرافي والديمغرافي والطائفي للسكان، مقومات الاقتصاد وخصوصا انتاج النفط وإمكانات تصديره، وأخيرا الدعم الخارجي الذي يمكن أن تتلقاه كل مجموعة سكانية إقليميا من الدول المجاورة، ودوليا من الدول الكبرى والمنظمات الدولية.

الشمال الكردي قطع ارتباطه بمركزية بغداد واتجه إلى تركيا لبناء علاقات اقتصادية بديلة بعد أن ضم منطقة كركوك الغنية بالنفط


التوزيع الطائفي


تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط العراقية تشير إلى أن عدد سكان العراق يبلغ نحو 28 مليون نسمة (وقد يكون الآن تجاوز الـ 29 مليون نسمة). ويتألف العراق من قوميتين رئيسيتين: العربية والكردية ومع وجود أقليات مثل التركمان والسريان وغيرهم، وبما أنّه لا تتوافر أيّ إحصاءات رسمية عن التقسيم الطائفي للسكان، فإن هناك تفاوتا في تقدير الأرقام التي تختلف وفق مصادرها، وتشير تقديرات موقع الاستخبارات الأميركية (FACTBOOK) إلى أن العرب الشيعة يمثلون 60 في المئة من السكان، مقابل 37 في المئة من العرب السنة، ولكن إحصاءات غير رسمية للمنظمة الإنسانية الدولية “هيومانيتارين كوردينيو ترفور ايراك” لعام 1997، أشارت إلى أن تعداد السنة يزيد نحو 920 ألف نسمة على تعداد الشيعة، في حين تبين من خلال دراسة أعدها الأكاديمي العراقي الدكتور سليمان الظفري، بالاستناد إلى معطيات التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء (نسخة دائرة الرقابة الصحية التابعة لوزارة الصحة)، أنّ نسبة السنة من أبناء العراق المسلمين 53 في المئة، مقابل 47 في المئة للشيعة.

ومن خلال إحصاء يقوم على قاعدة اعتبار سكان المحافظات الواقعة شمال العاصمة بغداد وغربها من أهل السنة، والمحافظات الواقعة جنوب بغداد من أبناء الطائفة الشيعية، مع اعتبار بغداد مناصفة بين الطائفتين، يمكن التوصل إلى النتيجة التالية:

- أولا: أبناء السنة ينتشرون في ثماني محافظات هي: دهوك، نينوى، اربيل، التأميم، السليمانية، صلاح الدين، ديالى، والأنبار (مع وجود شيعي قليل).

- ثانيا: أبناء الشيعة ينتشرون في تسع محافظات هي: كربلاء، بابل، واسط، القادسية، النجف، المثنى، ذي قار، ميسان، والبصرة (مع وجود سني قليل).

- أما الأكراد فإن نسبتهم تصل إلى 17 في المئة من عدد السكان أي أكثر من خمسة ملايين نسمة، وينتشرون في شمال وشمال شرق العراق، مع وجودهم بصورة أقل في محافظات بغداد وواسط وصلاح الدين.

الحقول العراقية المكتشفة يصل عددها 76 حقلا


إنتاج النفط


نجح العراق في رفع احتياطياته النفطية من 115 مليار برميل إلى 141 مليارا، ليصبح بذلك خامس أكبر دولة في العالم لجهة الاحتياطي النفطي بعد السعودية وفنزويلا وكندا وإيران، وقد تجاوز إنتاجه الثلاثة ملايين برميل قبل الأحداث الأخيرة، ليحتل المرتبة الثانية داخل “أوبك” بعد المملكة العربية السعودية.

أما موازنة العراق لعام 2014 والمجمدة حاليا بسبب خلاف حكومة بغداد مع حكومة اربيل حول صادرات إقليم كردستان من النفط، فقد بلغت نحو 150 مليار دولار بزيادة 30 مليار دولار وبنسبة 20 في المئة عن أرقام موازنة العام 2013، وهي أعلى موازنة في تاريخ العراق، وتستند بنسبة 93 في المئة على إيرادات النفط، وعلى أساس احتساب 90 دولارا لسعر البرميل، وإنتاج 3.4 ملايين برميل يوميا، وعلى الرغم من ذلك، حمل مشروع الموازنة عجزا بلغ 35 تريليون دينار عراقيّ، أو ما يعادل نحو 29 مليار دولار، ولكن وزير المال صفاء الدين الصافي أعدّ مسودة مشروع مرفق للموازنة، يتضمن خفضا لهذا العجز بمقدار 5.3 مليارات دولار إلى 23.7 مليار دولار.

ومن أجل تمويل الخطة الوطنية للتنمية، يخطط العراق لزيادة إنتاجه من النفط بشكل تدريجي إلى تسعة ملايين برميل في العام 2020. لكن مع احتدام المعارك واتساع أعمال الإرهاب وزيادة عمليات التفجير التي أصبحت تشمل معظم مناطق العراق، وتعرض بعض الشركات العاملة هناك، ولا سيما شركات النفط لسلسة اعتداءات متكررة، فقد حذرت الوكالة الدولية للطاقة من المخاطر المتزايدة في إنتاج النفط العراقي، خصوصا لجهة المخاوف من عدم الاستقرار الأمني والسياسي.

وكانت وكالة الطاقة الدولية حذرت من مخاطر كبرى تهدد الإنتاج النفطي العراقي في وقت يفترض بهذا البلد أن يوفر قسما كبيرا من العرض الإضافي المرتقب في السوق بحلول 2019.


تقسيم الإنتاج


يبلغ عدد الحقول العراقية المكتشفة 76 حقلا، لم يستغل منها سوى 27 حقلا من بينها عشرة حقول عملاقة، ويتركز الجزء الأعظم من الاحتياطي في الجنوب حيث توجد الكثافة السكانية من الطائفة الشيعية. ويشكل الاحتياطي النفطي لثلاث محافظات (البصرة، ميسان، وذي قار) مجتمعة نحو 80 مليار برميل أي نسبة 71 في المئة من مجموع الاحتياطي العراقي. وقد سجلت صادرات النفط من مرافئ الجنوب على الخليج نحو 2.5 مليون برميل يوميا في أبريل 2014، وهو الأعلى منذ عام 1979، أي منذ 35 سنة.

أما بالنسبة إلى الوضع في إقليم كردستان، فقد بات أقرب إلى الحسم بالانفصال عن العراق، بعد حديث رئيس الإقليم مسعود البارزاني عن استفتاء قريب للانفصال لم يتحدد موعده بعد.

3 عوامل رئيسية لتقسيم العراق
◄ التوزيع الجغرافي والديمغرافي والطائفي للسكان

◄ مقومات الاقتصاد وخصوصا إنتاج النفط وإمكانات تصديره

◄ الدعم الخارجي الذي يمكن أن تتلقاه كل مجموعة سكانية إقليميا ودوليا

ويسيطر الأكراد على محافظات الشمال وهي: السليمانية وأربيل ودهوك، إلى جانب محافظة كركوك التي يطالبون بضمها إلى الإقليم. ويقدر احتياطيّها النفطي بنحو 13 مليار برميل، ويشكل 12 في المئة من إجمالي احتياطي العراق، ويحتوي حاليا على 330 بئرا منتجة. ويبلغ إنتاج البئر الواحدة نحو 35 ألف برميل يوميا. ويعتبر حقل كركوك خامس أكبر حقل في العالم، ويعود تاريخ بدء استغلاله إلى العهد الملكي.

وهناك حقول أخرى تحت السيطرة الكردية، منها حقل باي حسن، يقع غرب حقل كركوك، وقد بدأ الإنتاج فيه منذ يونيو، 1959 وكذلك حقل جمبور شمال شرق مدينة كركوك.

وتبقى المناطق الواقعة في المحافظات ذات الكثافة السنية الأقل استفادة من إنتاج النفط، حيث توجد محافظة نينوى، وهي المحافظة الكبرى وفيها أربعة حقول نفطية هي: عين زالة والقيارة وصفية وبطمة، وتصل إلى الحدود السورية، إضافة إلى حقول أخرى في محافظات التأميم وصلاح الدين وتكريت في الشمال، ومحافظة ديالى في وسط البلاد.

لكن “داعش” التي سجّلت حضورها في المناطق السنية، كانت قد بدأت ببيع النفط السوري الواقع تحت سيطرتها بـ 12 دولارا للبرميل، ويبدو أن طموحها حسب الخارطة النفطية المنسوبة إليها، لا يقتصر على سوريا والعراق، بل يشمل أيضا الكويت والأردن وفلسطين ولبنان، لذلك حذر وكيل وزارة الخارجية الكويتية خالد الجارالله من خطرها ليس على الكويت فقط بل على المنطقة ككل، وخصوصا دول مجلس التعاون، حيث قال: “علينا تحصين جبهاتنا الداخلية بما يحقق لنا القدرة على مواجهة مثل هذه التحديات الخطرة والمتزايدة”.

وهكذا يتوقع المراقبون أن يمهد أي سيناريو لتقسيم العراق لصراع نفطي كبير قد يشمل المنطقة بكاملها.

وكالة الطاقة الدولية: "مخاطر كبرى تهدد نفط العراق"


المصافي والتصدير


توجد في العراق عدة مصاف للتكرير، وأهمها أربع عملاقة من أكبر مصافي الشرق الأوسط، وقد أسستها شركة مصافي “بيجي” سنة 1980، ومعظمها يقع في مناطق الكثافة السكانية السنيّة، ومنها مصفاة صلاح الدين الأولى وطاقتها 70 ألف برميل يوميا، ومصفاة صلاح الدين الثانية وهي تنتج الطاقة ذاتها، ومصفاة الشمال وطاقتها 150 ألف برميل يوميا، ومصفاة الدهون وطاقتها 250 ألف برميل يوميا. وتشرف شركة مصافي الشمال المؤسّسة سنة 1977 على العديد من المصافي الأخرى مثل مصفاة الصينية ومصفاة حديثة ومصفاة كركوك ومصفاة القيارة بمحافظة نينوى وقد أنشئت سنة 1955، ومصفاة الكسك ومصفاة الجزيرة. كما تشرف شركة مصافي الوسط على عدة مصاف، من بينها مصفاة الدورة وهي من أكبر المصافي العراقية، وتبلغ طاقتها الإنتاجية 110 آلاف برميل يوميا، وكذلك تشرف شركة مصافي الجنوب على العديد من المصافي، ومن أبرزها مصفاة المفتية وتقع بالبصرة وقد أنشئت سنة 1953، ومصفاة الشعيبة وتقع بالبصرة أيضا وقد أنشئت سنة 1974. وهكذا تتداخل المصافي بين المناطق، بحيث تتطلب التعاون في وقت قد يصعب فيه الانفصال أو التقسيم.

وإذا كانت مناطق الجنوب تعتمد على تصدير النفط من موانئ الخليج، فإن إقليم كردستان يعتمد على خط الأنابيب الممتد إلى الشاطئ التركي، وتبلغ طاقته، نحو 1.5 مليون برميل يوميا، أما بالنسبة إلى النفط المنتج في المحافظات السنية فهو سيكون بحاجة إلى استخدام شبكة أنابيب داخلية تمكّنه من التصدير عبر الخط التركي أو موانئ الخليج، في انتظار إنشاء خط الأنابيب المرتقب بين العراق والأردن، أو الخط السعودي الممتد إلى البحر الأحمر. ويبقى كل ذلك مرهونا بالتطورات الإقليمية، التي تحدد علاقات العراق وتعامله مع دول الجوار، وفي إطار العلاقات الدولية والتحالفات التي تنتجها، سواء استمر العراق موحدا أو تم تقسيمه إلى دول مستقلة أو كيانات فيدرالية.

7