الحرب في الموصل: العبرة في ترتيبات ما بعد المعركة

تحقق قوات التحالف وقوات الجيش العراقي مكاسب ميدانية في حرب استعادة مدينة الموصل من تنظيم الدولة الإسلامية، غير أن مراقبين يكشفون أن التحدي الأصعب بعد الحملة العسكرية هو إدارة الموصل في مرحلة ما بعد داعش، وهو ما يستوجب تحضير إطار سياسي لما بعد المعركة والسعي نحو تحقيق إصلاحات سياسية تكون منصة انطلاق نحو طريق الاستقرار الشامل.
الخميس 2017/03/02
عجلة المعركة مازالت تدور

واشنطن – تشهد الحملة العسكرية التي تأجلت طويلا لاستعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية تقدما ميدانيا مهمّا. لكنّ باحثين أميركيين يريان أن هذا التقدم ليس سوى المرحلة الأولى فقط من تحدّ أكبر.

ويقول لوك كوفي وجيمس فيليبس الباحثان في مؤسسة “هريتاج” البحثية الأميركية، إن العملية العسكرية ستكون الجزء السهل، وهذه حقيقة ستكتشفها قريبا الحكومة المركزية في بغداد وكذلك صانعو القرار في الولايات المتحدة.

التحدي الأكبر بالنسبة إليهما هو كيفية إدارة الموصل ما بعد داعش من أجل تثبيت هزيمة سياسية دائمة لتنظيم الدولة الإسلامية والحيلولة دون رجوعه إلى المدينة.

ويشاطرهما الرأي مايكل نايتس، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، الذي يصف معركة الموصل بأنها مغامرة قد تصعب النجاة من عواقبها، في حال لم يتم وضع خطة بعيدة المدى تجيب على أسئلة من قبيل: كيف يجب التعامل مع المدينة بعد داعش لضمان استقرارها على المدى الطويل؟ وكيف يمكن تجنّب وقوعها مرة أخرى في أيدي تنظيم متشدد مثل داعش أو غيره أو تصبح منطقة يسيطر عليها أمراء الحرب الطائفية؟

تستمد معركة الموصل أهميتها الكبرى من الموقع المتميز الذي تحظى به هذه المدينة، إضافة إلى مساحتها الجغرافية الهائلة وعدد سكانها الهام مقارنة ببقية المدن العراقية الأخرى.

الموصل هي ثاني أكبر مدينة في العراق. والحرب في المناطق العمرانية ليست بالمهمة السهلة مثلما بيّنت العمليات الأخيرة لتحرير الرمادي التي يسكنها 200 ألف ساكن والفلوجة التي يسكنها 275 ألف ساكن، فيما يقدر عدد سكان الموصل بـ1.8 مليون (الكثير منهم غادروا المدينة بحثا عن ملجأ آمن).

وأطلقت القوات العراقية في 17 أكتوبر عملية واسعة النطاق لاستعادة السيطرة على الموصل، وتمكنت قبل شهر من استعادة كامل الجانب الشرقي من المدينة. وشنت القوات العراقية في 19 فبراير عملية لاستعادة الجانب الغربي من مدينة الموصل، تمكنت خلالها من استعادة المطار والتقدم بعمق في اتجاه الجانب الغربي الذي يعد آخر أكبر المعاقل الذي يتحصّن به الجهاديون في البلاد.

وفي تطور ميداني مواز، فرضت القوات العراقية المشتركة سيطرتها على الطريق الاستراتيجي الرابط بين الموصل وتلعفر (شمال).

وقال موسى حسن جولاق، القيادي بقوات الحشد الشعبي في تلعفر، إن “القوات العراقية المشتركة فرضت سيطرتها على الطريق الاستراتيجي الرابط بين أيمن الموصل (الجانب الغربي) ومدينة تلعفر شبه المحاصرة”.

وبهذه الخطوة تكون أحياء غربي الموصل التي مازالت خاضعة لسيطرة داعش محاصرة بشكل كامل، فيما تمت استعادة مناطق مهمة أخرى، أبرزها مطار المدينة ومعسكر الغزلاني إضافة إلى أحياء وقرى.

بالنظر للتنظيمات التي ظهرت في المنطقة فإن أي تنظيم يأتي بعد داعش من المحتمل أن يكون بنفس السوء إن لم يكن أسوأ

والجانب الغربي من الموصل أصغر من جانبها الشرقي من حيث المساحة، حيث يبلغ 40 بالمئة من مساحة المدينة لكن كثافته السكانية أعلى، ويتسم بأزقته وشوارعه الضيّقة، ما يجبر القوات العراقية على خوض حرب شوارع مع تنظيم داعش، ربما تحمل أخطارا على حياة المدنيين.

انطلاقا من التقدم الميداني، يرى لوك كوفي وجيمس فيليبس أن على واشنطن، التي رفعت من حجم مشاركتها في المعركة لأنها نهائية وهامّة لوضع ترتيبات ما بعد داعش في العراق، أن تشجع بغداد على تحضير إطار سياسي للموصل ما بعد المعركة من الآن. ويجب أن يتضمن هذا التشجيع الخطوات التالية:

* الضغط على بغداد لإعداد تسوية سياسية دائمة تخص الموصل ومحافظة نينوى المحيطة.

* توفير المساعدات الإنسانية ومعاضدة الجهود العراقية للحيلولة دون تحول مخيمات اللاجئين إلى قواعد داعشية.

* تأسيس إطار سياسي طويل المدى يمنح السنة القلقين في العراق رهانا وأملا عبر تشريكهم في حكومة وطنية ذات قاعدة واسعة.

ويحتاج السكان المحليون من العرب السنة إلى رؤية بديلة ومقبولة، تكون ذات مصداقية عن الوضع الراهن قبل مساندتهم المعلنة للجيش العراقي. ويذكر الباحثان أن الكثير من العرب السنة أجبروا على الانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية الذي اعتبروه أخف الضررين بعد معاناتهم مما اعتبروه إهمالا متعمدا وحرمانا من الحقوق والقمع على يد حكومة بغداد ذات الهيمنة الشيعية. وعلى صانعي السياسات عدم التقليل من أهمية التحدي المتمثل في استعادة مدينة بحجم الموصل. ويقول كوفي وفيليبس “إذا لم يتم الترتيب لتسوية سياسية دائمة في الموصل وكامل محافظة نينوى، ستكون عملية استعادة المدينة بلا جدوى”.

ويبدو أن تحرير الموصل من براثن داعش ليس نهاية القصة، إذ أن التنظيم ستبقى له قاعدة قد يولد من رحمها تنظيم آخر، مثلما ولد تنظيم الدولة الإسلامية من بقايا تنظيم القاعدة في العراق. وإلى أن تعالج الانقسامات الطائفية داخل العراق وتحلّ التعقيدات السياسية، من الصعب التأكيد على أن استعادة الموصل سيكون لها أثر دائم على استقرار العراق في المدى الطويل.

ومن أجل تثبيت الاستقرار المطلوب في العراق، يرى معهد أبحاث السياسة الخارجية الأميركي أنه يتعيّن على الولايات المتحدة تبني جهود تحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع وإعادة الإعمار بمشاركة أطراف التحالف والعمل مع الحكومة العراقية لفض الخلافات حول مسائل اللامركزية، وآلية الحكم، والأمن، والسيادة على الأراضي. لكن قبل ذلك هناك مراحل أخرى يجب اتباعها للوصول إلى مرحلة إعادة الأعمار، من ذلك أن استمرار الدعم العسكري والاقتصادي مرهون بإنشاء قوة عسكرية متماسكة بتعددية طائفية، ويمكن أن يتم ذلك من خلال تطوير جهاز الحرس الوطني، مما يسمح بانخراط قوات سنية، ونزع الشرعية عن أي مجموعة غير مرخصة أو ميليشيا مستقلة.

واستنادا إلى واقع أن العراق يعتمد على تدفق الأسلحة الأميركية لمحاربة داعش، فينبغي استغلال هذا الواقع للمطالبة بتحقيق إصلاحات سياسية كمنصة انطلاق على طريق الاستقرار الشامل، وتعزيز جهود انخراط ودمج السنة في النظام السياسي للعراق ومناهضة وتشكيل توازن أمام النفوذ الإيراني في العراق.

وإذا فشلت بغداد في معالجة الأزمات الداخلية عندها سيأتي شيء آخر ليأخذ مكان داعش في نهاية المطاف. وإذا اعتبرنا التطورات الأخيرة للتنظيمات الإرهابية في المنطقة مؤشرا، فإن أي تنظيم يأتي بعد داعش من المحتمل أن يكون بنفس الدرجة من السوء، إن لم يكن أسوأ.

6