الحرب في سوريا ترمي النول الخشبي في سلة التاريخ

تعيش الحرف التقليدية بقدر ما عاش صاحبها وورّثها للأجيال التي تليه، وتبقى قيمتها ثابتة رغم الغزو الصناعي لما فيها من لمسات يدوية تعجز الآلات عن محاكاتها، فالآلات الحديثة تخلق القطع المتشابهة، لكن هذه الحرف التي أصبحت الشعوب تتباهى بها تصبح مهددة بالانقراض إذا اجتاحت الحرب مكانا يعيش أهله مما تعلموه من الأجداد من حرف ومهارات.
الاثنين 2016/11/07
مكوك الحايك "رايح جاي"

أريحا (سوريا) - يقف أبومحمد خلف آلة النول الخشبي ليحوك آخر بساط من المد العربي، بعدما بات المشغل الأخير الذي كان لا يزال يعمل في مدينة أريحا في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، على وشك إغلاق أبوابه.

ورث أبومحمد، وهو في الخمسينات من عمره، مهنة الحياكة على النول وصناعة الأقمشة التقليدية أبا عن جد. أربعون عاما مرت وهو يعمل في هذه الحرفة التي لم تسلم من تداعيات النزاع جراء النقص في المواد الأولية بشكل أساسي، شأنها في ذلك شأن أغلب المنتجات الحرفية التقليدية الأخرى.

ويقول أبومحمد وهو يحتسي الشاي مع العاملين في المشغل محاطا بسجاد مصنوع بخيطان ملونة لا سيما بالأحمر والأسود والأبيض وحتى الأزرق “المصلحة باتت ميتة اليوم آخر يوم عمل على النول ولم تعد لدينا خيوط”.

ويضيف “ليس بمقدورنا الذهاب إلى حلب لشراء الخيوط، فالطرق مقطوعة والمدينة محاصرة، لا أحد قادر على إرسال شيء ولا نحن قادرون على الذهاب”.

الجدير بالذكر أن صناعة الغزل والنسيج في سوريا من المهن العريقة، فقد احتلت سوريا مركزا مرموقا في هذه المهنة بالأسواق العالمية، وعرف من أسماء المنسوجات السورية ما يزيد على 100 نوع ومن أشهرها الدامسكو والبروكار والأغباني والديباج.

وقبل اندلاع النزاع، شكلت حلب التي لطالما اعتبرت مدينة النسيج في سوريا واشتهرت منتجاتها حول العالم، المصدر الأساسي للخيوط الضرورية لإنتاج المد العربي.

وإذا كان النزاع في سوريا قبل أكثر من خمس سنوات قد زاد من صعوبة حصول مشاغل أريحا على الخيوط المطلوبة ورفّع في كلفتها، فإن حصار قوات النظام المطبق للأحياء الشرقية في حلب جعل إمكانية التزود بها أمرا مستحيلا.

ويوضح أبومحمد “منطقة أريحا في محافظة إدلب هي الأشهر في هذه الصناعة، في السابق (قبل الحرب) كان هناك أكثر من مئة نول، أما اليوم فليس هناك سوى ما هو موجود في هذا المحل”؛ أي خمسة أنوال.

"المكوك"خشبة مستديرة مفروزة من الوسط وقد صفت في الفرزة أخشاب صغيرة، وهي القطعة التي اكتسبت المثل الشائع (رايح جاي مثل مكوك الحايك)

ومنذ بدء حصار أحياء حلب الشرقية في يوليو، بدأ العمال يتوقفون تدريجيا عن العمل على الأنوال الخمسة التي كانت لا تزال موجودة في أريحا.

في المشغل، لا يقطع صوت الدف الخشبي الذي يدق به القمّاش على النول إلا ترديد أبومحمد لأغنية تقليدية ذات إيقاع حزين، أو حديثه مع العمال الذين يشرف عليهم، أو الاستراحة لتناول الشاي.

وفي آخر يوم من أيام العمل، لم يكن في المشغل إلا ثلاثة أنوال مدت عليها خيوط بيض. ويقف خلف كل منها عامل يمسك بالمكوك الذي وضعت فيه خيوط ملونة، يمررها بين الخيوط البيض لتخرج من تحت يده قماشا ملونا.

يرفع أبومحمد صندوقا صغيرا يحتوي على بضع لفافات من الخيوط الملونة ويقول “هذا كل ما تبقى لنا”.

ويوضح كيف “كانت المصلحة شغالة قبل الحرب.. وكانت الخيوط تُشرى ‘بتراب المصاري’ من حلب، أما اليوم فقد وصل سعر كيلو الدرالون (وهو خيط من القطن والبوليستر يستخدم في تصنيع المد العربي) إلى 3500 ليرة سورية مقابل 175 ليرة فقط في السابق”.

يشير أبومحمد بإصبعه إلى سجادة معلقة على الحائط، ويقول هذه “كانت بحاجة في السابق إلى 200 ليرة فقط لإنتاجها”، أي حوالي 4 دولارات قبل الحرب.

ورغم أنه من الممكن شراء الخيوط اللازمة من الأحياء الغربية في مدينة حلب، فإن الكلفة مرتفعة جدّا مقارنة بالأحياء الشرقية، وفق أبومحمد، الذي يشدد على أنه “لو كان طريق حلب مفتوحا، لتيسرت أمورنا”.

أبومحمد: ترى منتجاتنا وكأنها مطبوعة، أتحدى أن يصنع كومبيوتر مثلها

حرفة ضاربة في القدم

النول أداة قديمة كانت تستخدم لحياكة المنسوجات والسجاد بطريقة يدوية بدائية شاقة ويستغرق عمل السجادة الواحدة أكثر من أسبوع. ويتألف النول من عدة قطع أساسية أهمها “الدفة” وهي خشبة ثقيلة متحركة يُدق بها القماش بعد كل مرة يضاف خلالها خيط من الخيوط المنسوجة بالعرض، و“النير” وهو عبارة عن قطعتين خشبيتين يصل بينهما صف من الخيوط تمر به خطوط السدود.

ونجد من مكونات النول “المكوك” وهو خشبة مستديرة مفروزة من الوسط وقد صُفّت في الفرزة أخشاب صغيرة، وهي القطعة التي اكتسبت المثل الشائع (رايح جاي مثل مكوك الحايك) باعتبار أنها القطعة التي تضم الخيوط الفاصلة ويرميها الحائك من الجهة اليمنى لتصل إلى الجهة اليسرى، ويعاود رميها من اليسار إلى اليمين بعد ضم النسيج بالمشط.

وهناك قطعة “المرد” الذي يرد الغزل نحو الأعلى، وبكرات الدحرجة للخيوط، و“الزيار” وهو غالبا ما يكون عظمة ماعز وقد وضعت إلى يمين الحائك وشماله لشد السيفين والرمح.

أما مراحل صنع القطعة الواحدة من النول فتبدأ بجلب الغزل المنتج من القطن الطبيعي غالبا، ثم يؤخذ إلى “الصباغ” الذي يصبغه حسب اللون الذي يطلبه الزبون.

وبعد أن يجفف الغزل يرسل إلى “المسدي” وهو شخص يقوم بجعل الغزل في شكل خيوط طويلة، ويلفها على هيئة كرات.

بعد أن تصبح الخيطان جاهزة يقوم “الملقي” بشد الخيوط الرفيعة على “النير” و“المشط”، وهذه المرحلة تتطلب مهارة فائقة، وعندها يأتي دور “الحايك” حيث يقعد داخل ما يشبه الحفرة المجهزة لجلوسه أمام النول ويبدأ بالعمل والشد وتشكيل رسومات وزركشات على القماش كي تزداد جماليته، وهذا أمر عائد إلى الحائك حسب الطلب، والكلفة تختلف بحسب الإبداع في كل قطعة، من ناحية اللون والزخارف.

النول ينتظر الخيطان

يتحدث أبومحمد وزميله أبومصطفى بفخر عن حرفة قضيا عقودا في العمل فيها وتطويرها. ويروي أبومصطفى وهو يقف وراء النول ويحرك قدميه على مكبحيه الخشبيين، قبل أن تنشغل يداه بنسج الخيوط، “بدأت العمل بها منذ كنت في الصف السابع”.

بعد اندلاع النزاع في عام 2011، حاول أبومصطفى تغيير مهنته بعد تدني قيمة الأجور، إلا أنه لم يأنس إلى أي مهنة كما أنس إلى النول.

ويقول “ذهبت إلى لبنان حيث عملت في مجال البناء، ثم إلى تركيا حيث بقيت بضعة أشهر، لكنني لم استطع الاستمرار في أي عمل بعيدا عن النول”.

بفخر، يتحدث أبومحمد عن المنتجات العديدة التي اعتادوا على إنتاجها، ويقول بثقة “لا أحد غيرنا هنا ينتج على النول القطع التي نصنعها؛ تراها وكأنها مطبوعة، أتحدى أن يصنع كومبيوتر مثلَها”.

المسدي يحاكي الخيوط

ويعود بالذاكرة إلى تاريخ صناعة المد العربي ويوضح “في البداية كانوا يستخدمون خيطان الثياب الصوفية المستعملة، يلفونها في شكل طابات (يمدونها على النول) ويصنعون منها بُسُطا”.

ويضيف “أما اليوم فبتنا نركز على المخمل والدرالون علما أن النول يعمل على جميع أنواع الخيطان”.

قبل إقفاله، تنوعت إنتاجات المشغل كما يشرح أبومحمد من “كل ما يلزم المنازل من مد (سجاد) للغرف ومحافظ للقرآن وأغطية للكرويتي (مصطبة من حجر) وبيوت للفرش والمخدات، وتطور الأمر لنصنع المد العربي الكامل للجدران والكراسي (…) وبتنا نفرش بيوتا كاملة”.

وكانت أريحا تصدر منتجاتها من المد العربي المصنع على النول إلى مناطق عدة داخل سوريا مثل دمشق وحماة، ولكن أيضا إلى خارج البلاد وخصوصا لبنان والسعودية.

وباتت البضائع اليوم تحتاج إلى شهرين أو ثلاثة لتصل إلى وجهتها، سواء داخل سوريا أو خارجها، هذا فضلا عن كلفة الشحن المرتفعة.

ويقول أبومحمد “في السابق كنا نرسل البضاعة إلى الشام مثلا عند الساعة العاشرة صباحا فتصل عند الثانية ظهرا”.

ويؤكد أبومحمد أن إنتاج المد العربي ما كان له أن يتوقف لو توفرت الخيطان؛ فلو كانت هذه المادة متوفرة “لشغلنا مئة نول، فالنول يكون جاهزا بمجرد أن يتوفر الخيط”.

ويأسف هذا الرجل الذي قضى حياته خلف النول قائلا “حرام أن تكون هذه نهاية من يقوم بهذا العمل وينتج هذا الإنتاج”.

20