الحرب كرسي والجسد زهرة الحرية

الجمعة 2013/12/13

أسدل الستار أخيرا على الموسم الثالث من برنامج المواهب العربية Arabs Got Talent الذي تبثه باقة قنوات "أم. بي. سي"، بفوز الفرقة السورية "سيما" على أعلى نسبة من تصويت الجمهور في حلقة ختامية ضمت 12 موهبة مختلفة بين الغناء والرقص والرسم.

فرقة "سيما" قدّمت وعلى امتداد التصفيات الماراثونية للبرنامج عروضا أدهشت الجمهور ولجنة التحكيم على حد سواء، في فنون الرقص الجسماني والتعبيري، أو ما يصطلح على تسميته بالكوريغرافيا، ليتضاعف هذا الإعجاب أكثر في الحلقة الختامية للبرنامج، حيث قدّمت الفرقة لوحة عبّرت، دون كثير ضجيج، عن الوضع الدامي في سوريا اليوم بأسلوب جماليّ راق.

من رحم المأساة تنبت زهرة نوّار، هذا أكيد، فالحرب العالمية الأولى بغطرستها ودمويتها أفرزت فنَّيْ "البلوز" و"الجاز"، والحرب العالمية الثانية بقنبلتيها النوويتين أنتجت فنون "الأنمي" اليابانية.. والفرقة السورية، من خلال اللوحة الاستعراضية "الكراسي"، قدّمت جماليّة قبح، بطريقة مبتكرة قلّما قاربها أو أتقن الوصول إليها العرب من الفنانين الحكائين، البكائين والمنتحبين دائما، فأقنعت الفرقة في عرضها وأمتعت، وقد أتحفتنا باستعراض صاخب رغم أنه صامت.

ومهما يكن من أمر فوز فرقة "سيما" المستحق هذا الموسم، فالجدير بالملاحظة في كل ما تقدّم من نتائج تصويت الجمهور العربي الذي تابع البرنامج على امتداد مواسمه الثلاثة الماضية، أنّه لم تفز أيّ موهبة غنائية ولو لمرّة واحدة؟!

ففي الموسم الأول فاز المتسابق المصري، عمرو قطامش، في فئة "الشعر الحلمنتيشي"، وهو صنف من الشعر الفكه الذي يجمع بين الجد واللعب، الحكمة والمزاح، أما في الموسم الثاني فقد آل التتويج إلى الفريق السعودي الراقص "خواطر الظلام"، وهو ما انسحب أيضا على الموسم الثالث المنتهي حديثا.

وعليه حقّ السؤال: لمَ لمْ يتوّج أي مطرب في البرنامج؟ قد تبدو الإجابة بسيطة في ظلّ توفّر العديد من البرامج العربية المختصة في اكتشاف المواهب الغنائية الجديدة، انطلاقا من "سوبر ستار" إلى "ستار أكاديمي" مرورا بـ"إكس فاكتور" و"آراب أيدول" وصولا إلى "The Voice" و"the winner is" والقائمة قد تطول في مُقبل المسابقات التلفزيونية المكتشفة للمواهب الغنائية، من الماء إلى الماء.

لكن الإجابة الأقرب إلى الواقع أنّ الجمهور العربي، وفئة الشباب منه خاصة، باتوا اليوم في حاجة أكثر إلى فنون أخرى بديلة ومغايرة للفنون الكلاسيكية، فنون فرجوية واستعراضية لمهارات جسدية ومسرحية كحال الموسم الثاني والثالث، أو لغوية شفاهية كحال الموسم الأول.

الدهشة والإبهار عملة فرجوية نادرة، لا عربيا فحسب، بل وعالميا أيضا، في ظلّ ما تفرزه التكنولوجيات الحديثة والمتغيّرة يوما إثر يوم، بل ساعة تلو الساعة، من أمرين أساسيين قلّما اجتمعا، وهما: الجماليّة والنجاعة، فأما عن الجماليّة فقد تحقّقت، ولو بقياس، لدى غالبيّة المتوّجين الثلاثة في المواسم الثلاثة، أما النجاعة فتبقى معضلة هكذا برنامج وهكذا متوّجين، فأين لهذه المواهب الاستعراضية أن تستعرض فنونها في قادم المحطات؟

والحال أنّ السواد الأعظم من الجمهور العربيّ لا يرتاد المسارح إلاّ لمشاهدة مسرحية كوميدية! ولا يفقه من لغة الجسد إلاّ "هزّ الوسط"! ولا يُصوّت للفنون البديلة إلاّ لماما، وفي مناسبات بعينها، إما حبا في نوع من التغيير أو انتصارا لأبناء البلد - ولو أنّ الأمر يختلف في التتويج الأخير المُستحق- ليعودوا بعد انتهاء حمّى التصويت إلى سابق عهدهم في استهلاك فنّ الزمن الجميل.. وكأنّ هذا الزمن لا يُنتج إلاّ القبيح؟!
16