الحرب نصا ثقافيا مضادا

الاثنين 2014/09/29

تمرّ الأمة العربية وثقافتها، الآن، في أخطر مرحلة من وجودهما، والناظر الآن إلى الخريطة العربية، يلاحظ أن كل عربي بات يشهر سلاحه ضد عربي آخر يخالفه في الدين أو المذهب، كما نلاحظ أن الأقليات الدينية كالمسيحيين، أو الإثنية كالأكراد والإيزيديين.. إلخ.. باتوا مهددين هم وثقافاتهم بالإبادة وأكثر من ذلك. نلاحظ سلوكات هي فعلا من مخلفات الماضي كفتح سوق للسبايا من الأقليات واعتبارهن جواري يبعن في سوق النخاسة، وهو أمر لم يكن يخطر ببال أحد على الإطلاق.. ولكنه يحدث. ماذا نرى أيضا..؟ نرى أن أعداء الأمة المركزيين تاريخيا، إسرائيل وأميركا، داخلون في أحلاف وتفاهمات مع عديد من الدول العربية، كأنهم من أهل البيت، وها هو نتانياهو يقول إنه بات لإسرائيل أصدقاء من العرب السنة، وهم الآن ذخر استراتيجي لإسرائيل، ولم يبق إلا أن يعلن أن إسرائيل دولة سنية، واللافت المؤلم أنه قال هذا في ذروة حرب طاحنة، كان يخوضها الفلسطينيون ضدّ إسرائيل.

لم نبتعد عن الثقافة إزاء هذا الوضع السوريالي المؤلم حيث تتكاثر الحركات الأصولية الإسلاموية مثل الفطر في جميع أنحاء العالم العربي، وكل واحدة تحاول أن تتمايز عن مثيلاتها بانتهاج أكثر الوسائل عنفا ووحشية،على اعتبار أنها تمثل الإسلام أكثر.. هنا، نجد أن الثقافة العربية. الديمقراطية العلمانية، أو حتى الثقافة الإسلامية المعتدلة، آخذة في التراجع، على أساس أن النقيض الحقيقي هو الذي يحدث الآن.. وكما انهارت جميع المقولات القوموية واليسارية والناصرية والبعثية في هزيمة 67، كذلك انهارت جميع ألوان الثقافة العربية التي وصفت بالتقدمية والديمقراطية، واتضح أنها كانت بضاعة نخبوية خاصة بقطاع المثقفين، وليس لها علاقة بعامة الناس وأغلبيتهم الساحقة.

وهكذا ترك الناس لثقافة دينية بسيطة تعجّ بالخرافات وألوان الشعوذة، والتي هي ثقافة التنظيمات الإسلاموية الأصولية.

هكذا، بدل أن نتقدّم باتجاه التحديث والعصرنة، نجد أننا عدنا إلى الوراء مئات إضافية من السنين، حيث تحاول تنظيمات مثل داعش أن تعود بنا إلى بدايات عصر النبوّة، كما يتخيلون، محاولين إلغاء خمسة عشر قرنا مرة واحدة.. الثقافة.. أيضا وأيضا، أمام هذا الواقع المتردي، والذي كشف الواقع المزيف الذي كنا نعيشه، نرى أنفسنا وقد عدنا مجموعة متناحرة من البشر، لا تجمع بينهم إلا الخلافات الدينية المذهبية.. فأية معجزة ننتظر لنوقف هذا الانهيار المروع، لقد حاول الفلسطينيون وسط هذه الفوضى، وعبر حرب ضارية استمرت خمسين يوما ضد إسرائيل، أن يصوّبوا اتجاه بوصلة العنف ضدّ العدو الحقيقي، وليس ضد الذات.. فكانت حربهم نصا مضادا، وفعلا ثقافيا أكثر منه فعلا عسكريا أو سياسيا. لقد كان هذا النص المضاد الحائط الأخير للأمة والذي أوقف الانحطاط الزاحف، ولو إلى حين.


شاعر وكاتب من فلسطين

15