الحرب والسلام في ميزان التحليل النفسي

الأربعاء 2014/07/30
الشعور باقتراب الموت يزيد التعلق بأمل الحياة

من أراد السلام عليه الاستعداد للحرب؛ هذه الحكمة اللاتينية الشهيرة قد تلخّص معاناة الإنسان في مواجهة غول الحرب التي لا يريدها ولا يريد أن يتهيأ لها.

في الحرب أو في الطريق إليها، هنالك العديد من المسائل المعقدة والأسئلة المعلقة والمشاعر المحبطة عن التكلفة الإنسانية، الخسائر البشرية والمادية والمكاسب السياسية والحقائق التي سيدوّنها التاريخ ملزما بأقلام المنتصرين. لكن السؤال الأكثر صعوبة وتعقيدا، يتعلق بالآثار النفسية بعيدة المدى التي تتركها الحرب بآلتها المرعبة ومشاهدها المروّعة في النفوس والقلوب.

والحروب منذ الأزل، وهي تطارد الأبرياء وتقتل المدنيين وتقلب حياة البسطاء رأسا على عقب وتصبغ ملامح الحياة اليومية باللون الأسود القاتم، حتى الوحوش البشرية من أهل الحكم والسياسة الذين يتغذون على دماء الأبرياء من ضحاياهم، لا يمكنهم ببساطة أن يستمتعوا بحصاد الحروب التي زرعوها، فهم محكومون بلعنات الضحايا إلى الأبد وهم – في المطلق – سينفضون كأعقاب السجائر في مزبلة التاريخ.

خضعت آلة الحرب بتوابعها المادية والمعنوية المدمرة لمجاهر التحليل النفسي، باعتبارها حدثا مهما قد يغير حياة الملايين من الأشخاص بشكل أو بآخر.

هؤلاء الذين يدفعون في موقدها مرغمين، سواء أكانوا لاعبين أساسيين أو متفرجين، ربما تطالهم شظاياها الحية فتترك على أجسادهم ندوبا مؤلمة أو تترك في أرواحهم علامات لا يستطيع الزمن محوها. هذا ما تؤكده الدكتورة، باولا جي كابلين، اختصاصية علم النفس السريري وباحثة مشاركة في معهد دوبوا بجامعة هارفارد الأميركية، فهي ترى أن الآثار النفسية المدمّرة التي تتركها الحرب في نفوس ضحاياها من الأحياء الذين يطول بهم العمر خارج زمن الحرب، والذين سبق لهم النجاة من الموت، ستكون بعد مرور السنين أشد وطأة من زمن الحرب ذاتها؛ فالذاكرة قد تحمل كمّا هائلا من المشاهد والأحداث الصادمة والخسارات الفادحة التي قلما تترك الناجين في حالهم، وهم على الرغم من استمرارهم على قيد الحياة فإن دواخلهم على الأغلب تكون قد ماتت أو تحجّرت أو فقدت بريقها النابض بالحياة، فهم كائنات سيّئة الحظ حُكم عليها بالموت الأبدي مع ذكرياتها.

الحرب من شأنها أن تكشف عن وجود السمات الإنسانية السامية التي كانت محيدة في أوقات السلم مثل الانضباط والشجاعة ونكران الذات

وترى كابلين، أن العديد من شهود عيان الحروب السابقة كالحرب العالمية الثانية وهم من المحاربين القدامى الذين عاشوا بعد زمن الحرب مصادفة، إضافة إلى المدنيين الذين كانوا بتماس مباشر مع الحرب، لم يستطيعوا التأقلم مجددا والعودة إلى حياتهم المسالمة الماضية، في حين عانى بعضهم الآخر من ثقل الذكريات المؤلمة وحكموا على أنفسهم بعزلة نفسية رهيبة ما تبقى من سنوات عمرهم.

وجاء على لـسان أبناء هؤلاء المحاربين، أن ذكريات الحرب قلما كانت محل نقاش لآبائهم وأمهاتهم فكانوا ينأون بأنفسهم عن الخوض في كل ما يمت بصلة إلى الماضي الرهيب، في حين لم يرد ذكر أحــداث الماضي على لسان بعضهم إلا وهـم على فراش المــوت.

وفي تقييمه لطبيعة السلوك البشري وأصله الذي ترسم أبعاده حالتا السلم والحرب، يرى الدكتور ديفيد براش، أستاذ علم النفس في جامعة واشنطن، أن الحكمة اللاتينية التي تروّج للحرب يمكن أن تقابلها نصيحة قيّمة لعالم الاجتماع الأميركي وليم سومر والتي تقول “من أراد السلام عليه الإستعداد للسلام” لأن الإستعداد لشيء ما يمكن من بلوغه.

ويؤكد براش على أنه يتعيّن على الإنسان المعاصر الاستعداد للاحتمالين في وقت واحد، لأن حدوث أحدهما أمر وارد، مشيرا إلى أن شن الحروب كان سمة طبيعية سائدة في الجماعات البشرية السالفة التي كانت تمتلك في العادة استعدادا فطريا من شأنه أن يعزز من حب الذات، والسعي المستمر لتأمين موارد الحياة وبالتالي التورط في حلقة الصراع مع المجموعات البشرية الأخرى، للحصول على هذه الموارد أطول فترة زمنية ممكنة.

وكان عالم النفس الأميركي الشهير وليم جيمس (1842- 1919)، صاحب الريادة في الكتابة عن الآثار النفسية للحروب، قد أشار في مقالته الشهيرة “المعادل الأخلاقي للحرب” إلى أن الحروب قد تولّد إحساسا طاغيا بالوحدة في مواجهة تهديد الوجود ذاته، لذلك يبحث الناس عمّا يعزز من الروابط الاجتماعية في محاولة لتوفير حماية جماعية في مواجهة خطر خارجي، هذا الترابط (الطارئ) من شأنه أن يؤجل الخلافات البينية التي كانت تباعد بين أفراد المجتمع الواحد في أوقات السلم.

وإذ يحفز الشعور بالتماسك الأفراد على الابتعاد عن الأنانية والإسهام في “المجهود الحربي”، فإن استعدادهم للتكاتف يبدو وكأنه فطري، وموجه تحديدا خدمة للصالح العام.

كما أن الحرب من شأنها أن تكشف عن وجود السمات الإنسانية السامية، التي كانت محيّدة في أوقات السلم مثل الانضباط والشجاعة ونكران الذات، في حين أن الأحداث الكبيرة والخسارات الفادحة التي تخلفها الحروب تؤجج مشاعر إنسانية طارئة مثل حب البقاء والتمسّك بالحياة، فتحيل رتابة الحياة اليومية إلى محاولات مستميتة للنجاة من الموت أو الخطر، فالشعور باقتراب الموت يزيد التعلق بأمل الحياة.

21