الحرف العمانية خلدت الموروث وتناقلها الأبناء عن الآباء

الجمعة 2014/07/04
المجتمع العماني في حاجة لأيد عاملة تستطيع حفظ هذه الحرف من الزوال والاندثار

عمان - لا تزال رائحة الماضي تمتزج مع عبق الحضارة في تخليد الموروثات التراثية العمانية، وإبقائها رمزا نفخر به مع اختلاف العصور والأزمنة، وتجسدت هذه الموروثات في أنواع وأصناف شتى.

امتهنت كل محافظة من محافظات سلطنة عمان حرفة وجعلتها كرمز وطابع مميز لها، ونقلت حرفتها لأجيالها من الشباب لتظل الحرفة خالدة بأصالتها وعراقتها.

شباب اليوم أبدعوا في الحفاظ على التراث العماني وشقوا طريقهم الخاص لتأسيس مشاريع حرفية عمانية ناجحة، وبدعم من الجهات الحكومية وتوفير التمويل الذي يضمن لهم الاستمرار في العمل الناجح تستحق حقا هذه المشاريع أن نفخر بها.

إبداع من الخشب والفضة من ولاية بهلاء بالتحديد، تنطلق حرفتا النجارة وصناعة الفضيات كرمز عن تراث محافظة الداخلية.

فتطل علينا مؤسسة الزبروك في إنتاج الأعمال الحرفية الخشبية والتي قامت منذ 45 عاما على يد الحرفي صالح بن سعيد الربخي ثم توالى على امتهانها أبناؤه الثلاثة حيث تعلموا من والدهم صناعة المناديس والأبواب الخشبية بالإضافة إلى الأثاث كالأسرة والطاولات والكراسي.

يقول مهنا الربخي أحد أبناء الحرفي صالح والذي تعلم الحرفة: ولله الحمد المؤسسة لا تواجه صعوبات حيث أن الإقبال من قبل الأفراد ممتاز والمؤسسة قامت ولا تزال تقوم بجهودنا وبمساعدة الحكومة.

من زاوية أخرى يطل علينا الحرفي سالم الزهيمي الذي امتهن حرفة صناعة الفضيات منذ عام 70 حيث احترفها وتعلمها بدوره من والده وبالممارسة الشديدة استطاع أن يبدع فيها ويعلمها للكثير من أبناء جيله.

الزهيمي سافر إلى العديد من الدول المجاورة في سبيل تطوير الحرفة وهو يعتبرها المصدر الأساسي لتوفير الدخل له ولعائلته بالإضافة إلى القيمة الشعورية التي يشعرها جراء امتهانها. فهي فخر له كونه يهتم بالجانب التراثي العماني.

ويضيف الزهيمي إنه شارك في العديد من المعارض التي أقيمت في السلطنة ودول مجلس التعاون بالإضافة إلى الدول العربية والأوروبية وقام بعرض صياغة الفضة بكافة أنواعها وذلك للإسهام في نشر الموروث الحضاري العماني.

أما زهرة بنت ناصر الشريانية فقد برعت في جوانب أخرى بعيدة عن الخشب والفضة، فهي ومنذ القدم امتهنت صناعة البخورات التقليدية وصناعة السعفيات كالمجامع العمانية القديمة التي كانت تستخدم قديما وإلى الآن في عمليات تنظيف المنزل.

لا يوجد منزل في المجتمع العماني يخلو من السعفيات وذلك لأنها تعبر عن طبيعة المجتمع العماني وثقافته الأصيلة

وأشارت الشريانية إلى أنها تعلمت المهنة منذ أن كانت صغيرة ومازالت تمارسها، وقالت ان المواد التي تستخدم في صنع السعفيات بسيطة فهي عبارة عن خوص النخيل والحبال الصغيرة كما أن آلية الصنع سهلة أيضا وأوضحت أنه لا يوجد منزل في المجتمع العماني يخلو من هذه الأدوات وذلك لأنها تعبر عن طبيعة هذا المجتمع وثقافته الأصيلة.

من جانب آخر تقول الشريانية انها تعلمت صناعة البخور والخلطات العطرية العمانية القديمة وذلك باستخدام اللبان وأنواع من العطور والبخور.

وعلى الرغم من اهتمام النساء العمانيات بصناعة السعفيات والبخور وإقبالهن الشديد على تعلم هذه الحرفة لما لها من مردود مالي جيد، إلا أنه لا يوجد دعم للمساعدة بفتح محلات أو مشاريع صغيرة لتطوير مستوى الحرفة من جانب وتعليمها للنساء من جانب آخر.

وأشار مبارك بن علي الصلتي الذي يمارس المهنة منذ زمن طويل مما جعله متمرسا فيها إلى أن هذه الحرفة تأتي بالممارسة مما يساعد على إيجاد أفكار جديدة في صناعة أنواع مميزة من السعفيات كالقفير والحصير. وعلى الرغم من كثرة الطلب المحلي على المنتجات السعفية إلا أن الصلتي لم يحصل على الدعم الكافي ليفتح مشروعه الخاص في هذه الحرفة.

سعيد بن سليمان العدوي حرفي امتهن الفخار وسط بيئة تحترف صناعة الفخار بكافة أشكاله، حيث أن ولاية بهلاء تتميز بكثرة مصانع الفخار وتعددها والطراز الفريد في الفخاريات المصنوعة، يقول إن صناعة الفخار تحتاج للتدريب المستمر وإلى وجود الآلات والأجهزة التي تساعد على توفير الجهد والوقت وهذا ما يفتقره في مهنته، فهو قادر على صنع الخروس والمزهريات والمجامر بأشكال جميلة. وعلى الرغم من وجود مصنع التدريب الحرفي في الولاية والذي قام بجهود الهيئة العامة للصناعات الحرفية، إلا أن العدوي يطمح إلى تكوين مشروعه الخاص الذي يكافئ المصانع الأخرى في الولاية.

شباب اليوم أبدعوا في الحفاظ على التراث العماني وشقوا طريقهم الخاص لتأسيس مشاريع حرفية عمانية ناجحة

ويضيف أن العديد من السياح الأجانب يتوافدون للولاية لاهتمامهم بالفخاريات التي ذاع صيتها في ربوع السلطنة كما أن الإقبال عليها كثير لما فيها من أشكال ولمسات جمالية عمانية.

وبعيدا عن محافظة الداخلية وحرفها التقليدية، توجهنا إلى محافظة الباطنة والتقينا بمسعودة بنت هديب الحمدانية حرفية من ولاية المصنعة، التي بدأت بخياطة الدشداشة العمانية عن طريق اليد منذ 30 عاما ومع توالي الأعوام طورت الحمدانية مهنتها وبدأت بإدخال الرسومات والأشكال الجديدة وبدأت بتغيير الخيوط المستخدمة في الخياطة.

وتشير إلى أنها وجدت المساعدة والاهتمام بجهود من الهيئة العامة للصناعات الحرفية التي ساعدتها في الحصول على التدريب والتحفيز، وتضيف أنها لا تسعى للتمويل المادي فحرفتها تتطلب الجهود البشرية والكفاءة أكثر مما تطلبه من أجهزة أو معدات، فالإبداع فيها يكمن في خفة اليد والتفكير البشري الخلاق في الإنتاج.

وتشير أيضا إلى أن الإقبال على منتجاتها كبير فهي في بعض الأحيان لا تستطيع تغطية معظم الطلبات ولكن ما ينقص هذه الحرفة هو تعليمها للجيل الجديد من الفتيات لأنه من الملاحظ أن من لديه الخبرة بممارستها هن النساء كبيرات السن، والمجتمع بحاجة لأيد عاملة تستطيع حفظ هذه الحرفة من الزوال والاندثار.

20