الحرف النسائية تحفظ التراث الأمازيغي المغربي من الاندثار

الاثنين 2015/03/23
الفن التقليدي الأمازيغي وجه آخر لثراء المغرب التاريخي

طقوس وتقاليد وعادات حرفية تقليدية تفننت المرأة الأمازيغية بالرشيدية، وخاصة بمنطقتي كلميمة وتنجداد، في الحفاظ عليها كإبداع فني وكأيقونة تراثية تعكس الحس الفني والتفكير الجمالي الذي يميزها عن باقي الإبداعات النسوية بمنطقة الجنوب الشرقي.

الإبداع اليدوي النسوي بواحتي غريس وفركلى، إحدى واحات تافيلالت التي تزخر بتراثها الغني والمتنوع على تباين أشكاله ووظائفه ومن ضمنه المشغولات اليدوية، يتميز بأشكاله الجمالية وأنماطه الفنية التعبيرية التي عكست جهود المرأة الأمازيغية بالمنطقة، والرامية إلى تأصيل هذا الموروث المادي وحمايته من الضياع والاندثار والحفاظ عليه باعتباره مرآة لهوية للمنطقة.

هذا الإنتاج التقليدي استطاع أن ينتقل من الأشكال البسيطة إلى الأشكال متعددة الزخارف والألوان الجمالية، متضمنة جملة من النقوش الزخرفية التي جعلت من الرمز محوره التشكيلي، حيث الخطوط والألوان والمربعات والأشكال الهرمية تتناغم وتتجانس داخل نسق متآلف متوازن، كالتكرار والتناظر، التي تختار فيها الألوان وتتجاوب.

أوضح عمر حمداوي، الباحث في التراث المحلي، أنه ما يزال للصناعة التقليدية والأشغال اليدوية النسوية حضور بالغ الأهمية في أوساط نساء الجنوب الشرقي وخاصة بمنطقة تنجداد، وعلى رأسها النسيج التقليدي الذي يساهم في سد حاجيات الأسر؛ وذلك من خلال توفير الألبسة الصوفية (الجلباب، السلهام، الحنديرة، التابزرة) والأفرشة خاصة الزربية بجميع أنواعها وأحجامها التي تختلف باختلاف أغراضها.

وأشار إلى أن النساء اللواتي يتعاطين هذه الحرفة يعتمدن على مجموعة من الأدوات الخشبية أهمها المشاط والقرشال والمغزل والمذراة وآلة “المنجج” (أسطا) التي تتألف من قوائم وأعمدة لا يحسن تثبيتها عموديا وأفقيا بإحكام وإتقان إلا النساجات اللواتي لهن باع طويل في هذه الحرفة العريقة.

الإنتاج التقليدي استطاع أن ينتقل من الأشكال البسيطة إلى الأشكال متعددة الزخارف والألوان الجمالية، متضمنة جملة من النقوش الزخرفية التي جعلت من الرمز محوره التشكيلي

وبعد تثبيت “المنجج” الذي تحيط به العديد من المعتقدات والضوابط والمرددات، يضيف حمداوي، تشرع النساجات في تفجير إبداعاتهن في التعامل بحرفية مع الخيوط وفي تزيين الأنسجة بزخارف وأشكال هندسية متفرقة أحيانا ومتداخلة أحيانا أخرى أو نباتية أو معمارية برموز دينية، إلى غير ذلك من الزخارف والأشكال ناهيك عن الألوان خاصة منها الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والأصفر.

وما إن تأخذ الصانعات أماكنهن حتى يطلقن العنان لإبداعات يدوية بما فيها الزربية، تاحرويت، المحربل، السجاد، الوسائد، الجلباب الرجالي والمستلزمات التي تصحبها العروس معها إلى بيت الزوجية خلال زفافها، إلى غير ذلك من المنتجات التي تحتوي على أشكال هندسية بارعة وحروف أمازيغية تبرز مدى نشوة الإبداع لدى هؤلاء الصانعات وتشبثهن بهويتهن وأصالتهن في ارتباط وثيق مع آلة النسيج التقليدية وآلة الدرازة التي كانت تعاونية فركلة للنسيج هي أول من أدخلها إلى تنجداد.

في هذا الاطار، أبرز حمداوي أن هذه التعاونية تعد من بين أهم التجارب الرائدة في العمل النسوي بواحة فركلى، فمنذ تأسيسها وهي تعمل على تحقيق أهدافها المسطرة، بما فيها رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأعضاء، والمساهمة في استمرارية الحرف وضمان جودة المنتوج، وإدماج الفتاة المنقطعة عن الدراسة في التدرج المهني، والمشاركة في المعارض المحلية والوطنية.

الابداع النسوي الأمازيغي بالمنطقة وما تعلق به من رموز وألوان يشكل أحد أهم الارتباطات الثقافية واللغوية لأصحاب هذه المنتجات بتراثهم الضارب في التاريخ

من جهتها، قالت رابحة بواحي، عضو بجمعية النخيل للتنمية والثقافة والبيئة بقصر أموي بتاديغوست (كلميمة)، إن الحرفيات العاملات بالجمعية يعملن على إعداد مجموعة من المنتجات بما فيها الزرابي والأفرشة والأغطية الصوفية، والجلاليب الرجالية (أكلموس/ تبدعيت)، مضيفة أنه بالإضافة إلى المنتوجات القائمة عن النسيج التي تختلف مدة إعدادها وأثمانها باختلاف نوعها وجودتها، توجد أشغال يدوية أخرى من قبيل “الكروشي” والخياطة وإعداد الغطاء الأمازيغي المعروف بـ “تاحرويت”.

أما الباحث الإنتروبولوجي، لحسن آيت الفقيه، فيؤكد أن الابداع النسوي الأمازيغي بالمنطقة وما تعلق به من رموز وألوان يشكل أحد أهم الارتباطات الثقافية واللغوية لأصحاب هذه المنتجات بتراثهم الضارب في التاريخ، مضيفا أن “المرأة التي تحمل في زيها رموزا ثقافية تعبر عن الهوية الثقافية للقبيلة”، ويشكل اللون الأحمر الأمازيغي، بما أنه هو السائد، بساطا لفضاء حفلات طقوس العبور، الولادة، والختان، والأعراس.

كما أن هذا الإبداع يأتي طبقا لإحساس منتجيه في انسجام مع الرموز والألوان ودلالاتها في موروث القبيلة والمنطقة بشكل عام، لأن ذلك يمثل أحد روافد الأصالة والعمق التاريخي الأمازيغي في التراث المغربي، فهو يرتكز أساسا على التقويم المعنوي أي القيمة الشكلية والتشكيلية لما تحمله من دلالات ورموز اللون والشكل.

وخلص إلى أن الرموز المستعملة في هذه المشغولات تحمل قيم المجتمع المحلي الثقافية والفكرية وتقوم على معان جمالية متعددة، وهو ما يخرج هذا العمل النسائي من دائرة الاعتباطية، إلى عالم الرموز والدلالات التي تشير إلى قيم الصفاء والطهارة والخير والإيمان والحب وغيرها من القيم الإنسانية.

12