الحرف والنحت يجتمعان في معرض بحريني بمزاج صوفي

بمزاج صوفي وروحاني عاليين قدّم الفنانان البحرينيان جمال عبدالرحيم وعبدالإله العرب واحدا وسبعين عملا تشكيليا ونحتيا في غاليري “البارح” بالمنامة، تحت عنوان “حروف ونحت”.
الجمعة 2015/08/07
لوحة وظف من خلالها الفنان الحرف العربي والزخرفة الإسلامية وسط استلهامات صوفية

تقاسم غاليري “البارح” بالمنامة مناخان مختلفان في الاشتغال، اتحدا في المضمون الروحي والصوفي الذي اتكأ عليه كلا الفنانين البحرينيين جمال عبدالرحيم وعبدالإله العرب، مستلهمين من التاريخ الإنساني والعربي آفاق اشتغالهما المعاصر الذي يأتي استمرارا لتجارب سابقة توقفا فيهما معا بانسجام كبير.

لا يهدأ جمال عبدالرحيم (مواليد البحرين 1965) قبل أن يبتكر طريقة جديدة للتعبير عن أسئلته وقلقه الفنيين، فما إن ينتهي من مشروع فني حتى يبدأ في مشروع آخر أكثر جنونا وعمقا من سابقه.

وهذه النتيجة ينتظرها جمهوره المتابع لأعماله على الدوام، فرغم أن عبدالرحيم غير مرتهن لمدرسة فنية محددة، لكن المتلقي له يدرك مناخاته من أول احتضان لتجربته الفنية.

عودة إلى التاريخ

في هذه التجربة الثنائية “حروف ونحت” يقدّم عبدالرحيم مجموعة أعمال من تجربته النحتية الأخيرة التي اشتغل عليها خلال العام الماضي والحالي، وتأتي هذه الأعمال وكأنها تستحضر التاريخ وتعيد إحياء أساطيره وآلهته وأربابه القديمة عبر خامات تعود بالمتلقي إلى التاريخ وصفحاته.

وعن هذه العودة يقول الفنان عبدالرحيم لصحيفة “العرب”: مما لا شك فيه أن النحت ارتبط ارتباطا وثيقا بالتاريخ. فقد سطرت الأساطير وسجلت من خلال أعمال نحتية خلدت هذه الأساطير في الحضارات المختلفة. ولا يزال النحت يسجل الأحداث التاريخية في الزمان والمكان من خلال النصب والتماثيل التي كانت لها دلالات واضحة أو مستترة تعطي للمتلقي مجالا للغوص فيها وفهم معانيها، كلّ بطريقته الخاصة.

ويسترسل النحات البحريني “ليست هناك عودة، إذ أن الإنسان هو جزء من التاريخ إن لم يكن هو الذي يشكل التاريخ. فالتاريخ هو جزء حاضر في حياتنا اليومية ومن لا يتعلم من التاريخ ليس لديه مستقبل”.

عبدالإله العرب: وظفت الحرف العربي والزخرفة الإسلامية وسط استلهامات صوفية

وفي سؤال عن أين يضع دور المثقف الفنان وسط هذا الدمار العربي الكبير، وهل يليق الاحتفال بالجمالي من قبل المثقفين دون الاكتراث للسياسي وللإنساني وللكوني الراهن.

يجيب عبدالرحيم “لكل إنسان طريقه وهدفه في الحياة، فنحن تجمعنا الإنسانية قبل أي شيء، لذلك لا أعتقد أن للمثقف دورا محددا وللفنان دورا آخر، وإنما للإنسان الذي يشعر بالآخر دور يحاول أن يقوم به بما يمليه عليه ضميره والتزاماته تجاه الآخر سواء كان على المحيط العملي أو الأسري أو الوطني أو الكوني”.

ويضيف “نحن بشر لذلك نجد أنفسنا ملزمين بأمور وقضايا كثيرة لا يمكن التملص منها. نتأثر بالأمور السياسية وخصوصا ما كانت في دائرة وجودنا وانتماءاتنا العربية، ولكننا في بعض الأحيان نطلق لأنفسنا العنان كمهر جامح للاحتفال والتمتع بالجمال الذي يحوط بنا وسرعان ما تردنا الأحزان للواقع المملوء بالأشجان”.

ويؤكد جمال عبدالرحيم على أن للفنان صوتا أعلى من غيره في بعض الأحيان، خصوصا مع انتشار الميديا التي استطاعت أن تنقل الفنان وأعماله من مكان إلى آخر، بالضغط على زرّ صغير في جهاز الجوال أو الكمبيوتر أو بمشاهدة قناة تلفزيونية تبث للعالم أجمع، أو من خلال قراءة مقال منشور في مجلة أو جريدة.

وعبدالرحيم من الفنانين المعاصرين وقد قدّم الكثير من المعارض محليا وعربيا وعالميا، كما أنه حاز على العديد من الجوائز، ومنها جائزة الحفر الثانية من بينالي الشارقة الدولي الرابع سنة 1999، وجائزة لجنة التحكيم من ترينالي مصر الدولي الثالث لفن الغرافيك سنة 1999.

كما أنه حلّ ضيف شرف على ترينالي مصر الدولي الرابع لفن الغرافيك 2003، وحاصل على الجائزة الأولى في المسابقة الدولية الـ25 للمطبوعات الصغيرة بكاداكس في أسبانيا سنة 2005، والجائزة الأولى في المسابقة الثالثة للمطبوعات الصغيرة في روزاريو بالأرجنتين للعام نفسه، وجائزة بيت التمويل الكويتي سنة 2014. وله العديد من الأعمال المقتناة على الصعيدين الشخصي والعام، ومن أبرزها مقتنياته في المتحف البريطاني ومتحف الحضارة الآسيوية في سنغافورة.

تصوف عبدالإله

بعد سنوات طويلة من الغياب الذي تحدّث عنه الوسط الفني البحريني طويلا يعود عبدالإله العرب (مواليد المنامة 1954) مجاورا لتجربة جمال عبدالرحيم في هذا المعرض، وبينما اهتم عبدالرحيم بالنحت تقدّم العرب في المعرض بمجموعة لوحات وظّف من خلالها الحرف العربي والزخرفة الإسلامية وسط استلهامات صوفية مع آيات قرآنية أحيانا، وأحيانا مع عبارات لشيوخ الطرق الصوفية مثل الشيخ النفري في نصه الفلسفي الشهير “المواقف والمخاطبات”.

جمال عبدالرحيم: استخدمت في المعرض الأرض بينما استخدم عبدالإله الجدران

ورغم أن عمر اللوحات المعروضة متفاوتة، فبعضها يعود إلى عام 1987، وبعضها الآخر حديث جدا، إلاّ أن مناخات التجربة بقيت متماسكة ضمن إطار الحالة الروحية. وربما يعود ذلك إلى إخلاص العرب لهذا الشكل الفني منذ أكثر من ربع قرن.

ويعدّ العرب مؤسسا لمدرسة الخط العربي بالبحرين، ولجمعية البحرين للفنون التشكيلية، كما كلّف بخط نسخة من دستور البحرين. وقد شارك العرب في العديد من المعارض والمسابقات الفنية المحلية والدولية، كما حصل على الكثير من الجوائز والشهادات التقديرية في المسابقات والبيناليات.

ويعتقد بعض المتابعين أن تجربة “حروف ونحت” جمعت المتباينين تحت سقف غاليري واحد، وأن هذه الثنائية الفنية النادرة أتت مجاملة على حساب التجربتين اللتين كان بالإمكان إفراد كل منهما في معرض مستقل.

وفي المقابل يعتقد عبدالرحيم خلاف ذلك، فهو يرى أن التكامل في التباين والاختلاف، ولقد جمعته وعبدالإله العرب تجارب فنية مشتركة تجاورا فيها مع قصائد الشعراء مثل أدونيس في تجربة “الكتاب” والنفري في تجربة “المواقف” وغيرهما من الكتب الفنية التي تجاوزت الـ37 كتابا حتى الآن.

ويقول جمال عبدالرحيم “ليست هناك مجاملات مع الفن الراقي والفنان الجيد، فالصدق والتمكن هو الذي يفرض نفسه على الساحة الفنية. ولقد زرت بنفسك المعرض، وأعتقد أنك شاهدت أنه لم يكن هناك تضارب بين الأعمال المعروضة، فلقد استخدمت أنا الأرض بينما استخدم عبدالإله الجدران، وأعتبر هذا تكاملا في استغلال المساحة على أكمل وجه”.

ويختم عبدالرحيم “بدأ الموضوع كفكرة لاقت ترحيبا من الأستاذ عبدالإله ومن قاعة العرض وأعتقد أنه قد تمّ تنفيذها بشكل جميل.. وقد أتت مشاركتي في المعرض من شعوري بضرورة الاحتفاء بقامة من قامات الخط العربي في البحرين، بشخص نتشرف جميعا بأنه ينتمي إلى هذا البلد، وفي نفس الوقت فإنني وعبدالإله تجمعنا صداقة قديمة، ووددنا أن نتوّج هذه الصداقة بمعرض مشترك في بلدنا البحرين”.

17