الحركات الأصولية والمثقفون التونسيون

الثلاثاء 2017/11/14

هناك عداء بين حركة النهضة الأصولية وبين المثقفين التونسيين ذوي الاتجاهات التقدمية تحديدا. وهذا العداء قائم منذ ظهور الحركة المذكورة في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وحتى هذه الساعة التي باتت فيها حاضرة وفاعلة بقوة في المشهد السياسي.

ويعود هذا العداء إلى أنها -أي النهضة- اختارت منذ البداية توجهات فكرية وعقائدية وسياسية تتناقض مع المشروع الإصلاحي الحداثي الذي بلوره المصلح خير الدين باشا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وزَكّته النخبة التونسية في زمنه، وتبنّته خلال مرحلة النضال الطويلة ضدّ الاستعمار الفرنسي، وركز الزعيم الحبيب بورقيبة دعائمه بعد حصول تونس على استقلالها في عام 1956.

في نهاية السبعينات، ومطلع الثمانيات من القرن الماضي، أظهرت حركة النهضة في خطاباتها، وأدبياتها رفضها المطلق للمشروع الإصلاحي الحداثي، ناعتة إياه بـ”التغريبي”، وبـ”المعادي للمبادئ الإسلامية الحنيفة”، معتبرة الزعيم بورقيبة “عميلا للمشروع الحضاري والثقافي الغربي المعادي للإسلام والمسلمين”.

جذور العداء بين الحركة الإسلامية والمثقفين قديمة، حيث اختارت الحركة منذ البداية توجهات فكرية وعقائدية وسياسية تتناقض مع المشروع الإصلاحي الحداثي الذي والاه المثقفون التونسيون

في الآن نفسه، لم تخف حركة النهضة عداءها للمثقفين ذوي الاتجاهات التقدمية واليسارية، ليجد البعض من أنصارها في خطابها ذاك ما يُشَرّعُ ويبررُ اعتداءاتهم العنيفة قولا وفعلا على شعراء وكتاب وجامعيين ونساء ديمقراطيات وغيرهم.

كما صدرت في البعض من هؤلاء “لوائح سوداء” باعتبارهم “زنادقة”، و”خوارج”. وقد ازداد هذا العداء بين حركة النهضة والمثقفين حدة في التسعينات من القرن الماضي، أي عندما حصد الإرهاب في الجزائر أرواح العشرات من الشعراء والكتاب والفنانين المناهضين للحركات الأصولية، وللجماعات الإسلامية المتطرفة.

وبعد انهيار نظام بن علي، أظهرت حركة النهضة من جديد عداءها للمشروع الإصلاحي الحداثي، بل وسعت إلى سنّ قوانين تتماشى مع رفضها له خصوصا في ما يتعلق بحرية المرأة، إلاّ أن النخب المثقفة تصدّت لها بحزم وقوة لتجبرها على التراجع.

ورغم المساعي التي بذلتها، وتبذلها إلى حد الآن، لم تتمكن حركة النهضة من كسب ود المثقفين التونسيين، ورضاهم عن توجهاتها الفكرية والعقائدية والسياسية، بل هم دأبوا على إظهار الحذر منها حتى عندما أعلنت بصوت زعيمها راشد الغنوشي عن الفصل بين الدعوي والسياسي.

لذلك لم تتمكن حركة النهضة من إغراء سوى عدد ضئيل جدا من المثقفين، وجميعهم من دون وزن في المشهد الثقافي والفكري. من بين هؤلاء يمكن أن نذكر أستاذ الفلسفة أبويعرب المرزوقي الذي اشتهر بمقولة “السياحة دعارة” مثيرا غضب مئات الآلاف من العائلات التي تعتاش من هذا القطاع. كما اشتهر بتهديده بـ”حرق الأخضر واليابس إن خرجت حركة النهضة من السلطة”.

ولم يكن المنشط التلفزيوني سمير الوافي المسجون راهنا بـ”تهمة التحيل”، يخفي إعجابه بحركة النهضة. لذلك كان زعيمها راشد الغنوشي وكبار قادتها من أبرز المدعوين في حفل زفافه الفاخر في صيف 2017.

وتفتخر النهضة بأن يكون فوزي بن قمرة الذي اشتهر في أول الألفية بأغان شعبية خليعة ومبتذلة من أنصارها بعد أن “تاب”، مكتفيا بترديد الأناشيد الدينية في الحفلات والاستعراضات التي تقيمها. ومؤخرا ضحك التونسيون ضحكا يشبه البكاء عندما صرح هذا الفنان الشعبي بأن تونس “أفضل من اليابان لأن أهلها مسلمون”.

كاتب تونسي

14