الحركات الإسلامية المسلحة أداة دعاية سياسية لليمين الأوروبي المتطرّف

الجمعة 2015/01/23
تمثل شعارات الإسلاميين مادة مناسبة لليمين الأوروبي للدعاية والتخويف بغرض الوصول إلى السلطة

لندن - يبذل مسؤولو الأمن الأوروبيون جهودا كبيرة لمواجهة التحدي المتصاعد والذي ازداد تعقيدا من الجهاديين المستقرين في أوروبا، سواء من خلايا نائمة غير مرئية أو من مقاتلين عائدين من الشرق الأوسط. وهو تهديد بات جليا بعد الاعتداءات الدامية الأخيرة في باريس، حيث اعتبر رئيس الأنتربول “روب وينرايت” أن الوضع الأمني أًصبح “أكثر صعوبة وتحديا” من أي وقت منذ اعتداءات 11 سبتمبر 2001. لكن رأي الخبراء ركز أيضا على قدرة السياسيين الأوروبيين المعارضين للتوجه العام للاتحاد الأوروبي في شكله الحالي على استغلال تلك النوعية من الهجمات وتحويلها إلى مادة دعائية لأنفسهم بأداة الإسلام الحركي وعلى حساب صورة الإسلام الحقيقية.

صرح رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن الوضع الحالي خطير جدا وأشار إلى تهديد “قوي” و”خطر وشيك” بشن هجوم إرهابي من قبل إسلاميين متشددين، بعد أن شكلت الاعتداءات التي أسفرت عن 17 قتيلا في باريس في 7 يناير صدمة للرأي العام في العالم وطرحت تساؤلات حول تمكن المنفذين من شن الهجوم رغم الإجراءات الأمنية المشددة.

وتعتبر بريطانيا من أهم الأهداف المفترضة التي يمكن أن تشن ضدها هجمات إرهابية ينفذها إسلاميون متطرفون، وذلك نظرا إلى مشاركة بريطانيا في قيادة الحلف الدولي ضد داعش في سوريا والعراق، وأيضا لاحتواء بريطانيا خلايا جهادية نائمة داخل أراضيها. ومنذ أن ذبح الصحفي البريطاني على يد متشدد إسلامي تكلم أثناء تسجيل عملية الذبح بالإنكليزية البريطانية وبلكنة محددة، فإن السلطات الأمنية والاستخبارية البريطانية تشدد الرقابة الأمنية بقوة.

ودعا البعض في أوروبا إلى تشديد أكثر في الرقابة على الحدود واتخاذ إجراءات أكثر صرامة على صعيد الهجرة، بما في ذلك الاقتراب أكثر من الجاليات المسلمة التي تعيش في أوروبا ومحاولة التعرف إلى كيفية نشأة التطرف وتنظم الشباب المسلم الذي تبنى أفكارا متشددة داخل خلايا جهادية خطيرة.

بريطانيا تعتبر من أهم الأهداف المفترضة للإسلاميين المتشددين، نظرا إلى احتوائها خلايا إرهابية نائمة وغير مرئية

ومضت زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان إلى أبعد من الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها بريطانيا عندما دعت إلى سحب الجنسية الفرنسية عن الجهاديين وحثت باريس على التنديد بمنفذي الاعتداءات على أنهم “إسلاميون”. وكتبت لوبن في مقال نشرته “نيويورك تايمز” “علينا تسمية الأشياء بأسمائها الصحيحة بما أن الحكومة الفرنسية تبدو مترددة إزاء القيام بذلك”، وقد قصدت لوبان أن مشكل الهجرة وتنامي عدد المسلمين في أوروبا سببان من أسباب انتشار التطرف، فضلا عن سبب آخر هو سياسة أوروبا الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط التي تصفها لوبان بأنها “فاشلة”. مضيفة أن “فرنسا بلد حقوق الإنسان والحريات تعرضت لهجوم على أراضيها شنته عقيدة توتاليتارية هي التطرف الإسلامي”.

وكان للشقيقين شريف وسعيد كواشي منفذي الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو الفرنسية الساخرة روابط مع مجموعات جهادية في اليمن وسوريا، حسب اعتراف شريف كواشي أحد المنفذين في اتصال هاتفي له بإحدى التلفزات الفضائية الفرنسية عشية الهجوم. كما أمضى شريف كواشي وأحمدي كوليبالي المسلح الثالث الذي قتل أربعة أشخاص خلال عملية احتجاز رهائن داخل متجر يهودي، فترة معا داخل السجن حيث تبنيا عقيدة أكثر تطرفا.

لكن الرجال الثلاثة لم يكونوا ناشطين في الأوساط الجهادية لعقد تقريبا قبل الاعتداءات في باريس، لذلك ركزت الشرطة انتباهها على مشتبه بهم آخرين، حسب وينرايت رئيس جهاز الشرطة الدولية قائلا إن “طبيعة التحدي قد تغيرت منذ مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن”.

وقد أكد خبراء في التنظيمات الإسلامية المتشددة أن مراحل التطور نحو الإرهاب في أوروبا أصبحت شبه واضحة، فالأمر يبدأ بمراقبة بعض الأشخاص الذين يعانون إما من صعوبات اقتصادية أو مشاكل عائلية أو ضغوط نفسية، ويتم التقرب إلى هؤلاء عبر مداخل مشاكلهم ثم توجيه وعيهم باتجاه الأفكار الدينية المتطرفة، ومن ثمة الجهاد “كخلاص لهم من مشاكلهم”، حسب قول أحد الإنتروبولوجيين المتعاونين مع الإنتربول، ومضى وينرايت يقول: “بالطبع هذا يجعل الأمر أكثر خطورة وهذا هو التحدي الذي تواجهه الشرطة”، مضيفا أن “الأمر تغير عن السابق ولم يعد كما كان بعد اعتداءات 11 سبتمبر عندما كانت القيادة والهيكلية واضحتين”. والقصد هنا تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، فالأمر اليوم أصبح أكثر تعقيدا لكثرة التنظيمات الجهادية واختلاف ولاءاتها وطرق تنفيذ عملياتها.

أحزاب اليمين في أوروبا وأميركا تقوم بتحويل طاقة الصدمة لدى الرأي العام إلى قوة دعم لتياراتها عبر الدعاية المكثفة

من جهته، أعلن السناتور الأميركي ريتشارد بور أن الاعتداءات في باريس يجب أن تحمل السلطات على مراجعة سبل مراقبة أي تهديدات محتملة. وقال السناتور الجمهوري لشبكة “سي أن أن” إن “كل دولة في العالم تراجع على الأرجح سياساتها لمراقبة المقاتلين المعروفين”، إلا أن كاميرون تحدث عن نضال “طويل الأمد” ضد المتطرفين، وهذا ما عارضه السيناتور الأميركي مؤكدا أن “السرعة والنجاعة مطلوبان في هذه الفترة، وخاصة في هذه الفترة بالذات”. وقد علق مراقبون أن وراء هذا التصريح تكمن غاية الجمهوريين في توريط باراك أورباما في خياراته التي توجهت بضربة عسكرية لم تحقق أهدافها بعد، “فالأميركان يحسنون استغلال الجماعات الإسلامية دائما في صالح التوازن السياسي الداخلي بينهم”.

وقد أكدت عديد البحوث والدراسات سواء الصادرة عن مراكز غربية للبحوث والدراسات أو عن خبراء عرب، أنه لئن كانت للجماعات الإرهابية التي تتبنى عقيدة إسلامية متطرفة أو محدثة من خلال شيوخهم ومنظريهم، تجليات تنظيمية وطرق وممارسات خاصة نابعة عن أيديولوجيا دينية تسعى إلى السلطة بالقوة فإن تلك التجليات أصبحت مسرحا للتلاعب السياسي للقوى الغربية (أميركا وأوروبا) لتصدّر الأحداث وتوظيفها لصالح غايات انتخابية أو دعائية حزبية.

ولعل تصريحات مارين لوبان زعيمة اليمين الفرنسي أو تصريحات أحزاب يمينية في هولندا وبلجيكا وألمانيا تبرز مدى قدرة هذه التيارات السياسية على تحويل الصدمة التي تحدثها الحركات الإسلامية المتطرفة بهجماتها الدموية إلى نقاط قوة تحوي طاقة دعائية كبيرة، وبالتالي فإن الإرهاب الإسلامي في أوروبا بشكل خاص وفي العالم (بما في ذلك الشرق الأوسط) وما تقوم به الحركات الإسلامية المسلحة من تشويه لصورة الإسلام والمسلمين إنما يصبان في مصلحة التطرف الآخر بغض النظر عن تقديمه الإسلام في صورة لا تعكس حقيقته بالمرة.

13