الحركات الإسلامية المغاربية.. تشابه المقدمات وتشتت المسارات

الجمعة 2013/09/20
تشابه مقدمات النشأة بين نهضة تونس وحمس الجزائر لم يحل دون بروز اختلافات عديدة

الحركات الإسلامية المغاربية لها العديد من القواسم المشتركة، فبالرجوع إلى ظروف النشأة من الجانب التاريخي، يلاحظ وجود تقارب زمني لولادة وتأسيس معظم الحركات الإسلامية المغاربية. فباستثناء الحركة الإسلامية الليبية التي تعود جذور نشأتها إلى سنوات الأربعينيات على أيدي بعض الطلبة الليبيين، الذين كانوا يدرسون بمصر، فإن بقية المجموعات الإسلامية التي عرفتها الدول المغاربية الأخرى، ظهرت خلال السنوات الأولى من سبعينات القرن الماضي.

ففي تونس بدأ نشر الخطاب الإسلامي الحركي مع مطلع العام 1970، وتشكلت النواة التنظيمية الأولى للإسلاميين في الفترة الفاصلة ما بين 1972 و1973، متخذة من عنوان «الجماعة الإسلامية» اسماً لها، وهي الجماعة التي ستحمل، في ما بعد، اسم «حركة الاتجاه الإسلامي» قبل أن تستقر على تسمية نفسها ب «حركة النهضة».


تشابه النشأة والانتماء الإخواني


في الفترة نفسها، أي مع أواسط السبعينيات، ظهر جسم مشابه في المغرب، كان يحمل اسم «الشبيبة الإسلامية» بقيادة عبد الكريم مطيع، وهو التنظيم الذي سيشهد، في ما بعد، تطورات دراماتيكية أدت في النهاية إلى الصراع والانقسام، وظهور عدد من الجماعات والتيارات، أهمها ما أصبح يعرف اليوم بـ»حزب العدالة والتنمية»، الذي كان محصلة لاندماج مجموعتين على الأقل، كانتا فاعلتين على الساحة الإسلامية.

أما في الجزائر، فقد برز إلى السطح تنظيم رمزي يحمل اسم «موحدون»، قام بتوزيع بيان عام 1976 للاحتجاج على «الميثاق»، الذي أعلن عنه الرئيس الراحل (هواري بومدين)، في سياق الثورة الزراعية التي انطلقت عام 1971 في مرحلة تبنى خلالها النظام الجزائري خطابا اشتراكيا. تحول تنظيم «موحدون» إلى حركة فعلية وحقيقية بعد إطلاق سراح المرحوم محفوظ نحناح، ومن كان معه في مطلع عهد الرئيس بن جديد عام 1980، وكان ذلك بداية لمسار أدى إلى تأسيس «جمعية الإرشاد»، ثم تشكيل ما أصبح يسمى بـ»حركة مجتمع السلم».

بالنسبة لموريتانيا، تأخر ميلاد الحركة بفترة وجيزة، حيث تأسست «الجماعة الإسلامية في موريتانيا» مع ربيع 1978، حسب شهادة أحد مؤسسيها الحسن ولد مولاي علي.

ولا يقتصر التشابه بين الحركات الإسلامية المغاربية عند وحدة السياق التاريخي، الذي ظهرت فيه وهو سبعينات القرن الماضي، وإنما يكاد يلتقي جميعها في المرور بمرحلة التأثر الفكري والحركي بحركة الإخوان المسلمين، وبعضها قررت الانتماء عضوياً وبشكل مبكر إلى التنظيم الدولي للإخوان.

أما الحركة الإسلامية التونسية، فقد وجدت نفسها منذ البداية منخرطة فكريا وسياسيا وتنظيميا في مشروع الإخوان؛ حيث كان العضو يبايع قيادته على هذا الأساس. وكذلك الشأن بالنسبة لمؤسس حركة مجتمع السلم الشيخ محفوظ نحناح، الذي بدأ مساره الحركي إخوانيا منضبطا، وكان يتردد على تونس لتنسيق التوجهات والاستفادة من التجربة التونسية. ولم يكن عبد الكريم مطيع مؤسس «الشبيبة الإسلامية» بعيداً عن دائرة الارتباط الفكري بالإخوان، واستحضار تجربتهم باستمرار.

عامل آخر يكاد يكون مشتركا بين الجميع، يتمثل في تأثر الجيل الأول من مؤسسي الحركات الإسلامية المغاربية بأدبيات وأفكار سيد قطب. لقد احتلت كتاباته مكانة حيوية في برامج التكوين والتثقيف، وطغت خلال السنوات الأولى على بقية المراجع مثل رسائل حسن البنا.

ويمكن القول بأن التيار القطبي كان فاعلا في البداية، وخلق بعض الصعوبات الحركية والسياسية، وأسهم بوضوح في بلورة موقف متشدد لهذه الجماعات تجاه أنظمة الحكم، والنخب الحديثة، بل وتجاوز الأمر ذلك الحد لتنعكس الأدبيات القطبية على علاقة هذه الجماعات بمحيطها الاجتماعي والديني، خاصة عندما سيطرت في البداية المقولات العقائدية والحركية المتشددة، مثل جاهلية المجتمعات الإسلامية، والمفاصلة الشعورية القائمة على أولوية الحكم بما أنزل الله، وذلك من خلال التركيز على كتاب «معالم في الطريق»، ومختارات من تفسير «في ظلال القرآن».


حقول المراجعة


- المجال التنظيمي: بعد حالة التوسع التي شهدتها مختلف المجموعات الإسلامية في بداية عهدها، وخاصة في أوساط الشباب من تلاميذ وطلاب، اضطرت قياداتها إلى القيام بالعديد من التغييرات في بناها التنظيمية، وطرق استقطاب وتأطير عناصرها، وذلك بحثا منها عن أفضل الصيغ لاستيعاب ذلك الإقبال الواسع والمفاجأ لأعداد كبيرة من المنتسبين الجدد، إلى جانب محاولة تفعيل عضوية المنتمين. وهي مهمة لم تكن سهلة، وأدى الفشل في إنجازها على أفضل حال إلى مشكلات معقدة وخسائر من الحجم الثقيل.

هذا وقد تمثلت المراجعات التنظيمية في مسائل واختيارات عديدة، يمكن الإشارة إلى بعضها، مع التركيز على أهمها:

* تحقيق الاستقلالية التنظيمية عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فبعد ارتباط عضوي دام بضع سنوات، صاحبته بيعة عدد من قيادات الصف الأول، انفجر نقاش حول طبيعة العلاقة بالإخوان، والجدوى من ذلك، إلى جانب المخاطر الأمنية التي يمكن أن يحدثها مثل هذه الارتباط العضوي. وتعتبر الحركة الإسلامية التونسية من أكثر الحركات المغاربية التي طرحت في صفوفها هذه المسألة بحدة، وشكلت مدخلاً لدى الأعضاء الذين أسسوا، في ما بعد، مجموعة الإسلاميين التقدميين، لتقييم مسيرة حركة الإخوان المسلمين والتشكيك في قدرتها على قيادة بقية الحركات الإسلامية بالمنطقة.

* لعل في مقدمة هذه المسائل المسعى، الذي بذلته معظم هذه الحركات، للتخلص من عاهة الازدواجية في التنظيم. فالنموذج التنظيمي الذي تم اختياره في البداية يعتمد على حراك علني للأفراد، يوازيه إقامة نواة صلبة تعمل في سرية كاملة. هذا الأسلوب الذي اختارته معظم هذه الجماعات، أدى دوره في البداية دون أن يخلق مشاكل فعلية. المسألة الأخرى، التي شملتها المراجعات التنظيمية، تتعلق بتوسيع الهامش الديمقراطي داخل هذه الحركات. ففي البداية كانت مساهمة الأعضاء في اختيار القادة ومحاسبتهم معدومة أو على الأقل محدودة، حيث كانت القيادات التاريخية تتمتع بصلاحيات واسعة، ويضفي عليها الأتباع هالة من التقديس كانت تحول دون ممارسة حق النقد والاختيار.

كما كانت المواقف والخطط تطبخ على نطاق ضيق، وتنزل إلى الأعضاء من فوق نحو الأسفل، وتتخذ قالب الأوامر والواجبات التي لا يجوز مخالفتها. وقد كانت السرية عاملا مساعدا على خلق حالة من المركزية الشديدة، حيث القيادة تحتكر المعلومات والتسيير والمال والعلاقات الخارجية.

كما أن حزب «العدالة والتنمية المغربي» قد شهد في المؤتمر الأخير تنافسا حادا بين مرشحيه. وتكررت الظاهرة نفسها في المؤتمر الأخير لحركة مجتمع السلم الجزائرية، حيث كاد أن يفقد رئيس الحركة أبو جرة السلطاني منصبه نتيجة المعارضة الشديدة التي قادها جناح مضاد لاختياراته. وبفضل هذه الأجواء التنافسية، أصبحت الحركات المغاربية تشهد نقاشات واسعة وحادة حول طبيعة القيادة، وأهمية الشورى، وإضفاء الشرعية على مبدأ الانتخابات الداخلية واعتماد الأغلبية وحقوق الأقلية وموقعها داخل التنظيم، ومشروعية النقد العلني الذي كان يعتبره البعض خطيرا على وحدة الحكة لما فيه من «نشر الغسيل الداخلي»

محاولة التمييز بين الدعوي والسياسي: حيث يعتبر حزب «العدالة والتنمية المغربي» سباقا في هذه المسألة، إذ بعد سلسلة من التطورات الهيكلية والتنظيمية، استقر الرأي على أهمية الفصل المؤسساتي بين الحزب، الذي له أهدافه ووسائل عمله ومجال تحركاته، التي يحددها القانون، ويؤثر فيها الصراع من أجل الوصول إلى السلطة، وبين المجال الديني الدعوي، الذي تحكمه اعتبارات مختلفة، ويفترض فيه عدم الانزلاق في حرب المواقع والمصالح.

وقد أدى ذلك إلى بناء تنظيمين منفصلين عن بعضهما، على الرغم من التحالف الاستراتيجي الذي يجمعهما في الأهداف، وفي القضايا الكبرى. فهناك حزب العدالة والتنمية من جهة، وفي المقابل توجد حركة التوحيد والإصلاح التي تتولى الدعوة والتربية وتكوين الدعاة، وهذه الحركة تعمل باستقلالية تامة عن الحزب رغم وحدة المرجعية.

* خلاصة من بحث صلاح الدين الجورشي 'الحركات الإسلامية المغاربية'، ضمن الكتاب 37 (يناير 2010) 'مراجعات الإسلاميين- الثاني' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث - دبي.

13