الحركات الإسلامية تطوّع مجال الدعوة خدمة لمآربها السياسية

الحركات الإسلامية بجميع أصنافها تحمل مشروعا واحدا منطلقه التعامل الضيق مع النصوص الدينية وتطويعها خدمة للوصول إلى الحكم، مستغلة الفضاء الاجتماعي فتوظف المجال الدعوي طريقا من أجل تحقيق حلمها في تأسيس الخلافة وتطبيق الشريعة لأسلمة المجتمع. هذه الحركات وإن اختلفت أساليبها في التواجد فإنها تنتهي إلى نقطة واحدة هي جعل المجال الدعوي ركيزة للعمل الجهادي.
الأربعاء 2015/08/12
تسييس الدين وسيلة الإسلامويين للوصول إلى السلطة

لندن- الحركة الإسلامية تسعى إلى “إقامة الدين”، “دولة الخلافة”، “تطبيق الشريعة”، “أسلمة المجتمع” إلى غير ذلك من الشعارات اللصيقة بمشروع “الصحوة الإسلامية”، وكل الطرق صالحة للتوظيف من أجل الإسهام في تحقيق هذا الحلم: هناك حركات تراهن فقط على العمل الدعوي، وهناك حركات تراهن على العمل “الجهادي”، وهي الأكثر صراحة في الإعلان عن مشروعها الحركي من دون تقية أو ازدواجية في الخطاب.

ومعلوم أن الرهان على الخيار السياسي، مقابل التقزيم من الرهان الدعوي والجهادي عند الحركات الإسلامية، من أجل تفعيل مشروعها الإصلاحي، تميَّز بنقلة نوعية وفارقة بُعيد اندلاع أحداث “الفوضى الخلاقة” في المنطقة العربية، منذ يناير 2011، والتي اصطلح عليها إعلامياً أولاً، وأمنياً وسياسياً لاحقاً، بأحداث “الربيع العربي”.

مآل هذه الأحداث، ومعه مآل أداء هذه الحركات والأحزاب السياسية الإسلامية، انتهى إلى ما نعاينه اليوم في المنطقة، بين تراجع حركة، أو صمود أخرى، أو بين تأرجح بين التراجع والصمود، إلا أن التركيز على الأداء السياسي، كما هو جارٍ به العمل في أغلب ما يُنشر حول الحركات الإسلامية، محلياً، إقليمياً، ودولياً، يكاد يُغيّب الأداء الاجتماعي لهذه الحركات، أي الأداء الموازي والمغذي للأداء والنفوذ السياسي: كلما امتلكت الحركات الإسلامية قاعدة مجتمعية، وشبكة من المنظمات الأهلية، نافست باقي الأحزاب السياسية في الاستحقاقات الانتخابية من جهة أولى. بمعنى آخر، لا يكفي الرهان فقط على تأسيس أحزاب سياسية تخالف في مرجعيتها الإصلاحية مشروع الأحزاب السياسية الإسلامية، فهذا أمر ثانوي الأهمية أو أصبح من الماضي، أخذاً بعين الاعتبار التحدي الأهم الذي تواجهه التيارات الإصلاحية التي تختلف في رؤاها النهضوية مع الحركات والأحزاب الإسلامية، أي تحدي تأسيس أرضية مجتمعية تغذي المشروع السياسي الكفيل بالمواجهة الاجتماعية والسياسية للمشروع الإسلامي الحركي الذي يتميز، عن غيره من المشاريع الإصلاحية، بتوظيف النص الديني المقدس في معرض تغذية شعبيته لدى الخاصة والعامة على حد سواء.

بين أيدينا نموذج تطبيقي يُبرز الدور الكبير الذي تقوم به الجمعيات المدنية والمنظمات الأهلية في معرض تغذية التمكين السياسي للحركات والأحزاب الإسلامية. ونتوقف بالتحديد عند السائد في المجال التداولي المغربي مع بعض الفصائل الإسلامية الحركية، التي كانت نموذجا للتدين مجرد أقلية بالأمس (منذ عقود مضت)، ومازال كذلك اليوم، ولكن ثمة فوارق جوهرية بين الأمس واليوم.

بالأمس، لم نكن نسمع عن حركات إسلامية حركية، بل أحزاب سياسية إسلامية (إخوانية على الخصوص)، وما كان يُختزل في الخانة الإسلامية الحركية، مُجرد تنظيم إسلامي انتهى –تقريباً- إلى زوال اليوم، وهو تنظيم “الشبيبة الإسلامية” الذي تقزم بشكل كبير اليوم، ويُختزل في مجرد أعضاء معزولين في الداخل أو في الخارج (المنفى)، ولا يخرج أداؤهم عن تحرير بعض البيانات على مواقع التواصل الاجتماعي.

مشروع الحركات الإسلامية يتمثل في إحياء دولة الخلافة وتطبيق الشريعة وأسلمة المجتمع والنظام والدولة

أما اليوم، فلم ننتقل فقط إلى خانة تعج بالحركات الإسلامية، وإنما امتد الأمر إلى تأسيس حزب سياسي إسلامي، تطور تنظيميا عبر فروعه التي سوف نتوقف عندها، وشاءت المستجدات الإقليمية في الساحة العربية، منذ مطلع 2011، أن يظفر بالرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية التي جرت بعد ما اصطلح عليه بأحداث “الربيع المغربي”، والظفر بالتالي بقيادة الحكومة المغربية الحالية، ويتعلق الأمر بحزب “العدالة والتنمية”.

بالنسبة إلى جماعة “العدل والإحسان”، التي تتميز –أساسا- بأنها حركة إسلامية مغربية خالصة، أخذت مسافة نظرية وتنظيمية من إسلاميي المشرق، وتحديداً من “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين”، كما تتميز بتبنيها، منذ مرحلة التأسيس، خيار اللاعنف وتطليق السرية فإنها تضم تحت جناحيها عديد المنظمات والجمعيات، على غرار الفصيل الإخواني المنافس، وتهمّ القطاع الحقوقي والطلابي والنسائي والتربوي وغيرها من القطاعات، في مشهد قد يُحيلنا إلى معالم “ما بعد الإسلام السياسي” -بتعبير المفكر الإيراني الإصلاحي آصف بيات- أي معالم، قد تبدو لأول وهلة، تُكرّس سعيَ الإسلاميين إلى “دمج التدين بالحقوق، والإيمان بالحرية، والإسلام بالتحرر”، والانفتاح على ممارسات اجتماعية مختلفة، عند حركات الشباب والطلاب، والنشاطات النسوية، لولا أن الأمر ليس بهذه الصورة الوردية، لأن واقع الحال الإسلامي الحركي، كما تجسّدَ بُعيد اندلاع فتنة “الفوضى الخلاقة” مع مطلع يناير 2011، يُفيد بأن مشروع الحركات الإسلامية في الوطن العربي لم يخرج عما سبقت الإشارة إليه “إحياء” دولة “الخلافة”، “تطبيق الشريعة”، و”أسلمة المجتمع والنظام والدولة”

يهمنا أكثر التوقف عند أداء الحضور الاجتماعي الذي يُغذّي التمكين السياسي بحكم أن الأمر يتعلق بحزب سياسي إسلامي، في حين أن الأمر مختلف مع جماعة دينية لم تؤسس حزباً سياسياً، ولو أنها أسست لحدود اللحظة “دائرة سياسية” تشرف على تمرير المواقف السياسية للجماعة، لولا أن الأمر يختلف بالكلية مع حزب انخرط في العمل السياسي واخترق مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني، رافعاً شعار “ممارسة الدعوة في المؤسسة التشريعية”.

خلاصة من بحث منتصر حمادة ‘النفوذ الاجتماعي بوابة التمكين السياسي’، ضمن الكتاب 101 (مايو 2015) ‘الإسلاميون والعمق الاجتماعي في العالم العربي وتركيا’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13