الحركات الصوفية في فلسطين تترنح بين السياسي والديني

بقيت الحركة الصوفية في فلسطين على الثوابت العامة في الشأن الوطني السياسي المتعلق بمقاومة الاحتلال ورفض الانقسام والتشبث بالهوية، لكنها لم تبق بمنأى عن حدّة الخلاف بين السلطة الشرعية في رام الله وجماعة حماس في غزة التي أبدت الكثير من التضييق على الحركة الصوفية، دون أن تتخلى عن أساليب الاستقطاب والاستمالة.
الجمعة 2016/09/23
الرموز الصوفية الفلسطينية حاضرة في الوجدان الجماعي والحراك السياسي

غزّة (فلسطين) - التزمت الصوفية بالخطاب السياسي الرسمي للسلطة الآخذ بالمقاومة الشعبية السلمية؛ واعتماد التفاوض سبيلا لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967، وفق الشيخ سعد شرف، “حلا مرحليا بانتظار متغيرات إقليمية ودولية، لا تلوح في الأفق القريب”، بعدما “جرّت عسكرة الانتفاضة (2000) الويلات على الشعب الفلسطيني، نتيجة عدوان الاحتلال”، بحسب تعبيره. وتتراءى محاولات صوفية للإمساك بطرفي الثابت التاريخي الديني والمراحل المتحركة، عند تغليب “السياسيّ” على “الدينيّ” حلا واقعيا، شريطة أخذه بمبدأ “الأرض مقابل السلام”، والحفاظ على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

بينما يتطلب الحل الديني تحرير كامل أرض فلسطين، بمختلف أنواع الجهاد، بوصفها وقفا إسلاميا لا يجوز التفريط فيها بما يتطلب مقومات غير متوفرة حاليا. وتوسع تلك النظرة من أفق الصراع الزمني بمعتقد يقيني بالحسم مستقبلا، بما يسمح بالإفلات من ضغط اللحظة وحصارها، سواء عند الاحتكام إلى المكوّن الظرفي في اعتماد سياسة المراحل، أم من خلال إرجاء هدف الدولة الإسلامية إلى وقت زمني آخر، وإخضاع “الشعب الفلسطيني إلى قانون الأسير الذي لا جهاد عليه”، تبريرا لقطع التواصل مع مسار تاريخي ممتدّ في مقاومة المحتل، نظير “معطيات المرحلة وغياب البعد العربي الإسلامي للقضية”.

أسقطت الصوفية إشكالها العقائدي مع حماس على موقف التعاطي معها، فرفضت حكمها في غزة، واعتبرته “انقلابا على الحاكم”، مدينة بالولاء إلى سلطة رام الله، وانتقدت “غلبة المصلحة الحركية لديها على الدين وعدم تطبيقها الشريعة الإسلامية في القطاع وقيامها بقتل واعتقال الفلسطينيين”. وتزعم البعض من الطرق الصوفية، مثل الطريقة المحمدية في غزة والطريقة الشاذلية اليشرطية، تعرضها لأذى التضييق ومحاصرة الحركة والنشاط وإجهاض حرية الرأي من جانب حكومة حماس، رغم وجود امتداد صوفي أشعري بين صفوفها، وتوسط الصوفية عند السلطة للإفراج عن معتقلين سياسيين من حماس لدى سجونها في رام الله، بينما لم يكن هذا التوتر بين الصوفية وحماس موجودا في فترة مؤسس الحركة، الشيخ أحمد ياسين.

غير أن البعض من الجماعات الصوفية اعتمدت خط “المهادنة” في ظل “احتواء” حماس لها لمواجهة التيارات والحركات الإسلامية الأخرى، بخاصة السلفية، مستفيدة من عنصر التباين العلائقي البيني، فأفسحت المجال، ضمن شروط ومعايير معينة، أمام حراكها الدعوي الخدمي الاجتماعي، وحتى السياسي، مستفيدة من أصواتها في الانتخابات البلدية والتشريعية (2006) والجامعية، شريطة عدم مقاربتها حدود السلطة، وسمحت بنشاط الزوايا والطرق الصوفية والمراكز البحثية التابعة لها، وبإقامة المناسبات والمشاركة في التظاهرات التي تسمح بها حماس، مقابل تأييد مشايخ تلك الطرق لحماس والاعتراف بسلطتها في القطاع.

لم تسلم جدلية العلاقة الثنائية من هجوم رسمي كاله وكيل الأوقاف والشؤون الدينية في الحكومة المقالة بغزة الشيخ صالح الرقب، في تصريح له، على معتقدات الصوفية، مثل عقيدة الحقيقة المحمدية، التي اعتبرها “منافية للدين الإسلامي وتشكل خطرا على المجتمع”، بينما طالب “بإغلاق زوايا الطرق الصوفية ومنعها من ممارسة نشاطها”، ولا سيما الطريقة الشاذلية اليشرطية التي تنشط في منطقة القرارة في خان يونس، بخاصة الزاوية التي تبعد عن السلك الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948 ما يقارب الكيلومتر ونصف الكيلومتر، حيث “يعيشون في حماية الاحتلال الإسرائيلي، فيما كان الحاكم العسكري يحضر جلساتهم”، وفق كلامه. ولكن مطلب مسؤول حماس لم يتم تنفيذه فعليا.

وأيا يكن، فقد اتخذت الصوفية، أسوة بالقوى والفصائل الوطنية الفلسطينية، موقفا معارضا للانقسام، بما ألحقه من “ضرر فادح بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، صب في خدمة أعداء الدين والوطن، وعمل على تمزيق السلم الأهلي وتثبيط عزائم الأوفياء للوطن والدين”، حسب تعبير الشيخ أحمد بن قرطام. وتدعو الصوفية إلى إزالة الانقسام وتحقيق المصالحة، محذرة من “مخطط الاحتلال المدعوم أميركيا للنيل من القضية الفلسطينية”، وفق قول شيخ الطريقة الصوفية العلاوية في قطاع غزة مصطفى السعافين، ومنبهة من الارتهان للتناقضات العربية الإقليمية ومساعي الأطراف الخارجية للتدخل في الساحة الفلسطينية المحتلة، بما يؤخر المصالحة

تشاركت الطرق الصوفية مع القوى والفصائل الوطنية، حتى تلك التي تنظر إليها كحركات غير دينية ولا تتلاقى معها في الرؤية، من أجل إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة. وقد اتخذ ذلك أشكالا وسبلا متنوعة، فانخرطت مع آخرين في التظاهرات الشعبية التي خرجت للمطالبة بإنهاء الانقسام، إلى جانب اقتناص لحظات الاحتفاء بذكرى مناسبات وطنية من أجل الدعوة إلى المصالحة، وتوحيد الصف لمجابهة الاحتلال.

* خلاصة من بحث: نادية سعدالدين “التصوف في فلسطين”، ضمن الكتاب الـ66 (يونيو 2012) “الإسلام النائم: التصوف في بلاد الشام” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13